منذ العام 2006، وبعد ان تقرر تعزيز تواجد الجيش ا​لبنان​ي في الجنوب، اعتقد البعض انه سيكون على غرار ​قوات الامم المتحدة​ "​اليونيفيل​"، حيث سيكتفي بالمشاهدة ومراقبة الوضع والتشكّي عند الحاجة، دون القدرة على اثبات نفسه. ولكن، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم، اثبت الجيش انه بعيد جداً عن هذه المقارنة، ومن منا لا يذكر قضية "​العديسة​" الشهيرة عام 2010، والتي فاجأت ال​اسرائيل​يين قبل اللبنانيين حول قدرة وتصميم الجيش على القيام بدوره كاملاً في الجنوب، رغم ضعف الامكانات والقدرات اللوجستية نسبة الى ما يتمتع به الاسرائيليون.
اليوم، يجدد الجيش تثبيت اقدامه في الجنوب وتحديداً في وجه ​الجيش الاسرائيلي​، وذلك من خلال قراره بناء برج في الناقورة يكشف من خلاله على المناطق الاسرائيليّة، تماماً كما يقيم الاسرائيليون البرج تلو الآخر على الحدود اللبنانيّة. في المبدأ ليس هناك ما يمنع أيّ بلد من بناء ابراج مراقبة ضمن حدوده الجغرافية ليراقب من خلالها الحركة، لا بل انه امر مرغوب ومطلوب واساسي. ولكن من يتابع الوضع في المنطقة، وحساسية الاجواء السائدة فيها وبالاخص على الحدود الجنوبيّة للبنان، لا شك وانه سيعتبر هذا القرار اللبناني بمثابة "انجاز" لان فيه تحدٍ لـ"الهيمنة" الاسرائيلية على الاعمال التي تنفّذ على الحدود، والتي تعتبر انه حق لها دون اعتبار ردود الفعل المتأتّية على مثل هذه الاعمال. ولكن، وبشكل مفاجىء لم تعتد عليه، لاقت اسرائيل رداً لبنانياً موحداً حيال اعمالها، وعقدت اجتماعات متواصلة للمجلس الاعلى للدفاع لبحث هذه التطورات واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تفاقمها بما يؤدي الى احتمال تحوّلها الى نزاع عسكري. وها هي اليوم تجد نفسها ايضاً تحت ضغط يفرضه الجيش عبر بناء البرج في الناقورة، والذي من شأنه ادخال معادلة جديدة للصراع القائم، خصوصاً وانه يحظى بتغطية سياسيّة لبنانيّة من جهة، وبتأييد دبلوماسي غربي واسع من جهة ثانية. فالمطالبة ببناء ابراج مراقبة على الحدود مع سوريا كانت اكثر من ملحّة وقد اقيمت بالفعل، فيما يبقى الطلب على بناء ابراج اخرى لضبط الحدود، وبالتالي لا يمكن لاحد ان يعترض على خطوة الناقورة لانها شرعية اولاً ولكونه من غير المنطقي المطالبة الدولية ببناء ابراج على قسم من الحدود دون التشجيع على بناء اخرى على قسم آخر او على كامل الحدود. ولكن الاهم من كل ذلك، هي ارادة التحدّي التي يظهرها الجيش اللبناني في هذا المجال، بما يكسر السطوة الاسرائيلية التي كانت معتادة، ويؤكد على انه قادر على لعب دور، يمكن ان يتنامى ويتفاعل الى اقصى الحدود اذا ما تأمنت له الامكانات والغطاء الدبلوماسي والسياسي. صحيح انها خطوة قد تعتبر خجولة بالنسبة الى البعض، ولكن قلّما شاهدنا جيش بلد عربي يقف في وجه اسرائيل على قاعدة الندّ للندّ، رغم علمه ويقينه انّ الميزان العسكري بينهما لا يمكن مقارنته نظراً الى الدعم الذي تلقاه اسرائيل من دول الغرب وفي مقدمها الولايات المتحدة الاميركية والاسلحة التي تملكها والتي تعتبر الاكثر تطوراً في المنطقة.
انه "انجاز" جديد يضاف الى انجازات الجيش اللبناني، وخطوة معنويّة مهمّة من شأنها ان تطمئن اللبنانيين الى انّه في حال حصول ترسيم للحدود وقيام اسرائيل بشن حرب او الدخول في مواجهة عسكريّة جديدة، فإن حساباتها لن تقف فقط عند ​حزب الله​، بل ستشمل حتماً الجيش اللبناني بامكاناته المتواضعة وحماسته المفرطة في الدفاع عن ارضه، مهما تطلب ذلك من تضحيات، والتاريخ شاهد على ذلك في اكثر من مناسبة.