تابع العالم اجمع نتيجة المداهمة التي نفذتها قوة خاصة من ​الشرطة الايطالية​ لمقر متطرفين يمينيين في روما، حيث ضبطت عدداً من الاسلحة ومواد دعائية للنازية. ولكن الاهم في الموضوع، كان اعلان الشرطة عن مصادرة صاروخ جو-جو فرنسي الصنع من نوع "ماترا" (*) تم بيعه الى السلطات القطريّة.

بمجرّد تسرب هذه المعلومة، تحوّلت الانظار عن المشهد الايطالي الداخلي وخطورة المجموعة المتطرفة، الى كيفية التعامل مع "الفضيحة" القطرية. وكانت الدوحة سريعة في التعاطي مع هذه المسألة بإعلانها انها كانت باعت الصاروخ الى دولة ثالثة عام 1994. الا ان هذا التصريح لم يكن كافياً، على الرغم من تأكيد السلطات القطرية انها تتعاون مع الجهات الرسمية الايطالية من اجل كشف ملابسات قضية هذا الصاروخ، وهي لا شك ستعمل جاهدة في هذا المجال، خصوصاً وان علامات استفهام كثيرة وضعت حول موضوع حساس يتعلق بأسلحة من هذا الحجم، فبيعها الى دولة ثالثة يفرض شروطاً معيّنة خصوصاً وانه من المعلوم ان الدول الكبرى ك​الولايات المتحدة الاميركية​ و​روسيا​ وفرنسا وبريطانيا...، لا تقبل بيع اسلحتها الى دولة اخرى ما لم تلتزم هذه الدولة بقيود محدّدة يتم وضعها ومن ضمنها عدم وصول هذه الاسلحة الى مجموعات او منظّمات.

ومن المتوقع ان تزداد مهمة قطر صعوبة في هذا الملف، لانّ ​السعودية​ و​دول الخليج​ لن تقف مكتوفة الايدي وستعمل على استغلال هذا الواقع بشكل تام، لسببين اساسيين: الاول أن الخلاف بين هذه الدول وقطر لا يزال قائماً، والثاني ان هذه المسألة ستتيح تحويل الانظار ولو لفترة معيّنة عن الملفّ اليمني والاسلحة التي تستخدمها هذه الدول الخليجيّة هناك مع كل الضجة التي يثيرها هذا الموضوع والحملات التي تتعرض لها على هذه الخلفيّة، وتهديد دول كثيرة بوقف إمداد السعودية والامارات بالاسلحة.

من السخرية ان يكون صاروخ قطري السبب الذي يعتمد عليه الخليجيون لتنفّس الصعداء في قضية تشكّل عبئاً عليهم، ولكن المعركة "الصاروخيّة" لن تأخذ مدى طويلاً، لانه من المتوقع ان يتمّ تطويق الحادث بأسرع وقت ممكن، وان تقتصر الحملات على التراشق الاعلامي الذي لا يقدّم ولا يؤخّر شيئاً في عالم الدبلوماسية والسياسة، ليس تقليلاً من اهميّة الاعلام انما بسبب عدم وجود قناعة لدى الدول الكبرى في تضخيم هذه الواقعة من جهة، او الضغط بشكل اكبر على الدول الخليجيّة من جهة ثانية، لتبقى الامور تراوح مكانها مع فارق بسيط وهو تخفيف الضغط نسبياً ولفترة محدودة، على السعوديّة والامارات. اما المشكلة الاكبر فستكون في هويّة الدولة الثالثة التي باعتها قطر الصاروخ الفرنسي، وما اذا كانت من الدول "المغضوب عليها" حالياً ام لا، وسيكون عندها لكل حادث حديث. اما على الصعيد الاوروبي، فيجب الاخذ في الاعتبار وجود خطر بدأ ينمو بفعل اعتماد التطرّف، وهو امر متأتٍّ من مشكلة الهجرة غير الشرعية الى القارة العجوز، والتي بدأت بتغيير ملامح عدد من الدول الاوروبيّة وسط تخوّف المواطنين هناك من مستقبل غامض بدأ يلوح في الافق ويرسم صورة مغايرة تماماً لما يريدونه ويطمحون اليه.

وتبقى الافضلية في مقاربة المداهمة الايطالية من منظار محايد، لان المنظار العربي محصور بالصاروخ القطري، والمنظار الايطالي-الاوروبي يركّز على التيّار المتطرّف، فيما المنظار الموضوعي يدعو الى التركيز على اسباب المشكلة الحقيقيّة وكيفيّة معالجتها بشكل يقضي تماماً على كل اسباب التطرف من اي جهة اتت وتحت اي مسمى، ويعيد حجم الخلاف العربي الخليجي الى نسبته الحقيقية دون تضخيم تأميناً لمصالح ضيقة ستتلاشى مع الوقت.