لم أَكُن أَعْلم أَنْ ثمَّة علاقةً مَتينةً بين الإِصْلاح المُجْتمعيِّ والحِمار، ذاك الكائِن المُتَواضِع على رَغْم خِصاله الحَميدة، إِلى أَنْ سَنحت لي الظُّروف بلِقاء المُفَكِّر والشَّاعر نَعيم تَلْحوق، أَحَد أَعْمدة وزارة الثَّقافة، أَنا المُتَعطِّش إِلى التَّعرُّف إِلَيْه!.
كان اللِّقاء في الوزارة، بعد اجتِماعي إِلى الوَزير محمَّد داود داود، وأَمَّا الحَديث فعَن "سيرَة الحَمير وخِصالِهم الحَميدَة"!...
ولرُبَّما تمرُّ الخُطوة الأَوْلى نحو الإِصْلاح المُجْتمعيِّ الحقيقيِّ، بـ"الحِمار"، مُهَنْدِس الطُّرق الجَبَليَّة عِنْدَنا، وذاك الكائِن المُميَّز الَّذي إِذا ما أَرَدْنا أَنْ نُكيلَ الشَّتائِم إِلى أَحدٍ، نَعَتْناه به، فتَكون الشَّتيمة إِذَّاك للحِمار وليس لمُتَلقِّيها المفترَض، وإِلَيْكم الأَسْباب:
1–الحِمار مُمْتازٌ في الإِصْغاء، فيما نَحْن البَشر، قد نَسْتمع مِن دون أَنْ نُصْغي، كما وقد نَسْأَل سُؤالاً في سِياق الحديث، يُؤكِّد أَنَّنا لم نُصْغِ البتَّة إِلى تَفاصيله...
نَنْعت الحِمار بِطُول الأُذُنَين، فيما يُساعِده ذَلك في الْتِقاط المَعْلومة والبَقاء في حالٍ مِن الحُضور المُميَّز، المَحْرومينَ مِنْه نحن البَشر، أَو أَنَّنا حتَّى لا نَتنبَّه إِلَيْه!.
وفي هذا السِّياق يُحْكى أَنَّ "الزَّعيم" أَنْطون سْعادة، كان يَوْمًا في طَريقِه إِلى الأُردن هَربًا، بعدما صَدر حُكْم الإِعْدام في حقِّه. وعلى الطَّريق شاهَد رجُلاً يُعنِّف حمارًا، أَبى الإِحادةَ وإِكْمالَ سَيْره، فيما الحِمار الوَديع والمُسالِم لا يُظْهر ردَّة فعلٍ، غَيْر أَنَّه كانَ ماضِيًا في قراره!... فما كان من سْعادة إِلاَّ أَنْ تَرَجَّل مِن السَّيَّارة، وهَمس في أُذُن الحِمار كلامًا جَعله "يَتراجع عن قرارِه" ويُكْمل الطَّريق... وحينَها أَيْقن سْعادة أَنَّ مُجْتمعًا لا يُحْسن التَّعامُل مع كائنٍ مُسالمٍ وصالِحٍ، إِنَّما لا يُحْسن التَّصرُّف في شَيْءٍ، ففضَّل إِذَّاك تَنْفيذ الإِعْدام في حقِّه، على العَيْش في مُجْتمع مُعادٍ وجاهلٍ...

2–الحِمار يَتعلَّم مِن أَخْطاء غَيْره، وهذا مُؤَشِّر إِلى "ذكاءٍ" قد لا يُوافِقنا عَلَيْه عِلْم النَّفْس، الرَّافض لوجود ذكاءٍ لدى الحَيوان وإِنَّما "غَريزة"...
وفي هذا الإِطار لَيْت لَنا نَحْن البَشر، تلك "الغَريزة الحَكيمة"!.
إِنْ كانَت الحَمير تَسير في قافلةٍ، وصُودِف أَنْ وَقع أَحدُها في حُفْرةٍ أَعاقت سَيْره، إِلى أَنْ عرف كَيْف يُخْرِج نَفسَه مِنْها أَخيرًا... فإِنَّ الحِمار الَّذي يَليه في السَّيْر، لن يَقع حَتْمًا في الخَطأِ نَفْسه بل سَيَحيد عنه.
وأَمَّا نَحْن البَشر، فإِنْ حاوَلْنا ثَنْي أَحَدِنا عن الوقوع في تَجْربةٍ أَثْبتت عُقمَها وفَشلَها، كانَت النَّتيجة برَفْض النَّصيحة انْطِلاقًا مِن مَقولةٍ مَشْهورةٍ جدًّا هذه الأَيَّام ومَفادُها: "لقد خِضْت أَنْت تَجْربتك وفَشِلت، فَدَعْني أُحاوِل أَنا، بِنَفْسي وعلى طَريقَتي"... وإِذَّاك تَكون النَّتيجة فَشلاً مُضاعَفًا مُتَكرِّرًا!...
3–الحِمار "رجلٌ" بكلِّ مَعْنى الكَلِمة أَيْضًا، إِذا كان مِعْيار الرُّجُولة في عالمِنا اليَوْم –ومع الأَسف الشَّديد– يُقاسُ في حَجْم العُضو الذَّكريِّ، في وَقْتٍ يَسْعى السَّطْحيُّون مِن البَشر إِلى "زِيادة طُولِه"، مُسْتَخْدِمين التَّطوُّر العِلْميَّ في مَجال الطُّبِّ، لـ"تَعْزيز" رُجولَتِهم المَشْكوك بِأَمْرها!.
غَيْر أَنَّ الحِمار لا يَعْتدُّ بِرُجولته تلك، بل عَلى العَكْس، لا "يَعْتَبرها" من المَزايا الأَساسيَّة، خِلافًا لِما يَفْعَله البَعْض مِنَّا، إذ قد يَلْجَأون إِلى وَسائِل لـ"تكبير" عَلامة الرُّجُولَة (المُفْتَرضَة) تلك، مُؤْثِرين العِناية بالبُنى التَّحْتيَّة أَكْثِر مِن العِنايَة بِرَأْسِهم العُلْويِّ!... ما يُؤشِّر إِلى خَللٍ عَظيمٍ في سُلَّم القِيَم عِنْدنا، نَحْن البَشر، وفي عَجْزِنا عن "فَرْز" المَزايا، بِحَسب أَهميَّتها!.
إِنَّ التَّصْويب على الحِمار في كَيْل الشَّتيمة، إِنَّما هُو إِهانَةٌ للصَّالح في المُجْتمع الَّذي يَنْبغي -وبِجدارةٍ- أَنْ يَكون هو القُدْوة... فإِنْ كانَ لا بُدَّ مِن الإِهانَة في مكانٍ ما... فقد تَكون كلمة "يا جَحْش" أَكْثر تَعْبيرًا، لأَنَّ الأَخير-على خلافِ الحِمار، مُتَعَجْرفٌ، مُتَشاوِفٌ، مُتَعالٍ مُتَكبِّر... كشَريحةٍ كَبيرةٍ من مُجْتمعنا البَشريِّ، مع الأَسف!.
فلا تُهينُوا الحِمار أَكْثر، ولا تَسْتِغِلُّوا تَرفُّعه عن الإِساءات!.
وللحَديث صِلَة...