تفاقمت قضية عدم توظيف الناجحين في مباريات مجلس الخدمة المدنية لتُرخي بظلالها وعوارضها على الموازنة «الحائرة»، وكذلك على العلاقات الهشة بين القوى الداخلية. وإذا كان هدف البعض من رفض تعيين هؤلاء هو الحؤول دون إحداث مزيد من الخلل في ​التوازن الطائفي​ داخل الإدارة، فمن الواضح انّ الخلاف على هذه المسألة تسبّب بتوسيع الشرخ الوطني!
تتّجه الأنظار نحو قصر بعبدا لمعرفة الطريقة التي سيتعامل بها ​الرئيس ميشال عون​ مع «اللغط» الحاصل حول المادة 80 من الموازنة والتي تحفظ حق الفائزين في مباريات مجلس الخدمة المدنية في التعيين، بعدما تبيّن ان هذه المادة وصلت الى ​القصر الجمهوري​ مثقلة بانقسام حاد حيالها، إذ يعتبر «التيار الوطني الحر» انّ انقلاباً حصل على تفاهم مسبَق مع الرئيس ​نبيه بري​ بعدم إدراج هذا البند في قانون الموازنة، فيما ينفي القريبون من رئيس المجلس الامر ويؤكدون انّ حقّ الناجحين في التعيين ليس قابلاً للمساومة.

ولئن كانت قيادات عدة في «التيار الحر» قد ربطت أحد أسباب اعتراضها على توظيف ناجحي «الخدمة المدنية» في مؤسسات الدولة بحصول تزوير وغش في المباريات التي خضعوا لها، إلّا انّ مصدراً واسع الاطّلاع يرد على هذا الاتهام بالكشف عن انه سبق للرئيس ​سعد الحريري​ أن عرض على رئيسة مجلس الخدمة المدنية القاضية فاطمة الصايغ تولّي وزارة الداخلية في الحكومة الحالية، لكنها رفضت العرض وأبلغت الى الحريري أنها تستطيع أن تفيد الدولة وتخدمها بشكل أفضل انطلاقاً من موقعها الحالي. ويتساءل المصدر: كيف يمكن التصويب على نزاهة عمل «الخدمة المدنية» برئاسة الصايغ وهي التي قاومت مغريات السلطة ورفضت استلام وزارة بحجم «الداخلية»؟

ويلفت الى انّ اختبارات «الخدمة المدنية» تتم وفق ضوابط صارمة تسري على الاسئلة والاساتذة المولجين بوضعها، بحيث يمكن الجزم بأن المباريات التي تجريها تلك الهيئة هي الأنزه في الدولة.

واللافت في الخلاف الحاصل أن «القوات اللبنانية» تبدو ميّالة الى الطرح القائل بضرورة توظيف الفائزين في مباريات «الخدمة المدنية» بمعزل عن طبيعة انتماءاتهم الطائفية ووجود أرجحيّة كبيرة للمسلمين في صفوفهم.

والى حين تظهير الموقف الكامل لرئيس حزب «القوات» ​سمير جعجع​ من هذه الإشكالية عبر اطلالته الإعلامية الخميس المقبل، تتوقف شخصية سياسية مسيحية عند دلالات الإتّجاه العام الذي يعتمده جعجع في مقاربة ملف ناجحي «الخدمة المدنية»، ملاحظة انّ معراب تسلك حتى الآن منحىً واقعياً وبراغماتياً في مقاربة واقع الإدارة وحقائق الديموغرافيا، ما لم تضطر لاحقاً الى تعديل سلوكها لضرورات المزايدة والتنافس في الساحة ​المسيحية​.

وتلفت الشخصية إياها الى انّ مَن كان يرفع شعار «أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار» ومَن كان يحصر نفسَه ضمن الرقعة الممتدة بين كفرشيما والمدفون، اصبح اليوم لا يمانع في انضمام عدد كبير من المسلمين الى الوظيفة العامة وبفارق واسع عن المسيحيين، ما دام انهم نجحوا في اختبارات «الخدمة المدنية» على قاعدة الكفاءة بعيدا من المحسوبيات والولاءات الضيّقة.

وتعتبر تلك الشخصية أنه من الأفضل لجعجع أن يستمر بالركض خارج ملعب الوزير ​جبران باسيل​، لأنّ باسيل سبقه في هذا المضمار، وكلما أراد اللحاق به سيلهث أكثر من دون أن يتجاوزه، ولذلك فإنّ رئيس «القوات» معنيٌّ بأن يستمرّ في مقاربة الإشكاليات المطروحة من زاوية أخرى.

وتشير هذه الشخصية الى انّ المطلوب بدل منع تعيين الفائزين في اختبارات «الخدمة المدنية» لأنّ أكثريتهم الساحقة إسلامية، هو أن يبادر «التيار الحر» و»القوات» وغيرهما الى تحفيز المسيحيين على انخراطٍ أوسع في مؤسسات الدولة وتفعيل الهجرة المضادة اليها، بحيث يتمّ الانتقال من رد الفعل الى الفعل، لافتة الى انّ المسيحيين هم الذين فرّطوا طوعاً بحقوقهم عندما امتنعوا عن الإقبال الكثيف على مباريات «الخدمة المدنية»، ولم يبادر أحد الى مصادرتها او استهدافها، وبالتالي لا يجوز تدفيع الناجحين المسلمين ثمن تقصير لا يتحمّلون مسؤوليته.

وتضيف: لقد أصبح المسيحيون معنيين بأن يعيدوا تعريف دورهم، على قاعدة انّ لبنان هو رسالة حق وحرية عابرة للعدد والحجم، وانّ وظيفتهم الاساسية تتمثل في ترجمة هذه الرسالة والانسجام مع مقتضياتها، وبالتأكيد فإنّ إلحاق الظلم بـ400 ناجح في «الخدمة المدنية» لا يخدم هذه الفكرة، سواء من ناحية القيَم المسيحية او من ناحية المفاهيم الوطنية، بل يعطي إشارة معاكسة تماماً».