بعد نهاية الحرب ​العالم​ية الثانية مُنتصف القرن الماضي، تصاعدت "​الحرب الباردة​" بين قُوّتين عالميّتين رئيسيّتين، هما الولايات المُتحدة الأميركيّة وما كان يُعرف بإسم "​الإتحاد السوفياتي​". وبعد تفكّك الإتحاد المَذكور في مطلع حقبة التسعينات، تفرّدت ​أميركا​ كقُوّة عُظمى وحيدة في العالم، قبل أن تتمكّن ​روسيا​ الإتحاديّة من العودة إلى مُنافستها من الندّ للندّ في أكثر من ساحة صراع، وحتى من التفوّق عليها في بعضها. وخلال العقد الأخير برزت ​الصين​ كقُوّة إقتصاديّة خارقة، الأمر الذي وتّر علاقتها جدًا بأميركا، حيث دخلا في صراع إقتصادي شرس، إنزلق أخيرًا إلى أزمة ​صواريخ​ بين الطرفين، بشكل ذكّر إلى حدّ ما بأزمة ​الصواريخ​ الكوبية التي كادت تؤدّي إلى حرب نووية بين أميركا والإتحاد السوفياتي السابق سنة 1962(1). فما الذي يحدث حاليًا بين كل من أميركا وروسيا والصين؟.
يُمكن القول إنّ الصراع على أشدّه حاليًا بين ​الولايات المتحدة​ الأميركيّة والصين على المُستويات الإقتصاديّة والتجاريّة والماليّة، وعمليّات شدّ الحبال المُتبادلة مُستمرّة، وهي تُرجمت بمُحاربة أميركا الشركات الصينيّة، وبالسعي لعرقلة مبيعاتها (2)، وكذلك بفرض الإدارة الأميركيّة ضرائب جديدة على الواردات الصينيّة(3). وواصلت الصين الردّ عبر تخفيض قيمة "اليوان" الصينيّ، وعبر التخلّي كليًا عن ​الدولار​ الأميركي في تعاملاتها التجاريّة الدَوليّة، وكذلك عبر تخفيض شراء بعض المُنتجات الزراعيّة الأميركيّة، إلخ.
وبمُوازاة ما يُمكن وصفه "الحرب التجاريّة" الدائرة بين ​واشنطن​ وبكين بشكل أساسي، دخلت كل من الولايات المتحدة الأميركيّة وجمهوريّة الصين الشعبيّة وكذلك روسيا الإتحاديّة بما يُشبه السباق الجديد للتسلّح. وفي هذا السياق، قامت أميركا بالإنسحاب رسميًا مطلع الشهر الحالي من مُعاهدة "القُوّة النوويّة المُتوسّطة المدى"(4)، بسبب خلافات مع روسيا لجهة عدم إحترام بُنود المُعاهدة المَذكورة من جهة، وكذلك بسبب قيام الصين بتطوير صواريخ متوسّطة المدى تُشكّل تهديدًا للوُجود الأميركي في القارة الآسيويّة. وعلى الرغم من أنّ الصين ليست طرفًا في مُعاهدة "القُوّة النوويّة المُتوسّطة المدى"، إلا أنّ أميركا إرتأت التخلّي عن أيّ قُيود تمنعها من التصدّي للخطر الإستراتيجي الذي تتعرّض له، حيث بدأت أخيرًا بنشر صواريخ جديدة في قواعد لها في دُول آسيويّة حليفة، الأمر الذي رفع منسوب التوتّر مع كل من ​موسكو​ وبكين اللتين تحسّنت علاقتهما الثنائيّة بشكل كبير نتيجة الخلافات المُشتركة مع واشنطن.
والإستفزازات العسكريّة وحروب الأعصاب المُتبادلة ورّطت أكثر من دولة آسيويّة في "الكباش" الروسي–الصيني–الأميركي. وفي هذا السياق، عاد التوتّر بين ​كوريا​ الجنوبيّة المُتحالفة مع واشنطن من جهة، وكوريا الشماليّة من جهة أخرى، لا سيّما نتيجة تنفيذ تدريبات عسكريّة مُشتركة بين الأميركيّين والكوريّين الجنوبيّين، وقيام "​بيونغ يانغ​" في المُقابل بإختبار المزيد من الصواريخ وبإستعراض المزيد من أسلحة الدمار الشامل. حتى أنّ ما يحصل حاليًا من إعتصامات وإضطرابات في "​هونغ كونغ​" التي تُعتبر قُوّة إقتصاديّة كبيرة في آسيا، على الرغم من صغر حجمها، يدخل في سياق الصراع بين واشنطن وبكين، حيث تتهم هذه الأخيرة الإدارة الأميركيّة بتشجيع المُتظاهرين في "هونغ كونغ" على تحدّي إرادة الحُكومة الصينيّة، والسعي أيضًا للإستقلال عنها، عبر إثارة المشاكل عشيّة الإحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس الصين في الأوّل من تشرين الأوّل المُقبل. وفي ​الساعات​ الماضية، ومع كشف النقاب عن تحضيرات صينيّة لحسم الوضع بالقُوّة في "هونغ كونغ"، في حال إستمرار الإعتصامات، وجّهت بكين تحذيرًا لواشنطن بضرورة عدم التدخّل بما لا يعنيها في "هونغ كونغ"، ورفضت طلبًا مُقدّما لسفينتين تابعتين للبحرية الأميركيّة للرسو في ميناء ​الجزيرة​ المذكورة.
وإضافة إلى كل ما سبق، إنّ التدخلات العسكريّة حينًا، والسياسيّة حينًا آخر، لكل من أميركا وروسيا والصين، في الصراعات العالميّة، من آسيا مُرورًا ب​أوروبا​ و​الشرق الأوسط​، وُصولاً إلى ​فنزويلا​ في أميركا الجنوبيّة، تُشكّل حروبًا من نوع آخر، تأخذ في بعض الأحيان شكل التدخّل العسكري المُباشر، وشكل إستخدام "حقّ النقض" ضُد قرارات دَوليّة مُعيّنة على مُستوى ​الأمم المتحدة​ في أحيان أخرى، وُصولاً إلى الحروب العسكريّة بالوكالة، والحروب الإقتصاديّة المُباشرة وغير المُباشرة في أحيان كثيرة.
في الخلاصة، الأكيد أنّ العالم لم يَكن ينعم بالهدوء خلال مرحلة "الحرب الباردة" بين قُطبين عالميّين، وهو بالتالي لن ينعم بالهدوء حتمًا في المُستقبل القريب، مع إرتفاع عدد هؤلاء الأقطاب إلى ثلاثة، بعد أن نجحت الصين بفرض نفسها عالميًا، بسلاحها التجاري، ومن دون أن تُضطرّ إلى اللجوء إلى ترسانتها العسكريّة الضخمة!.


(1) أزمة الصواريخ الكوبيه هي مُواجهة وقعت في خريف العام 1962، بين الولايات المتحدة الأميركيّة والإتحاد السوفياتي السابق الذي كان مُتحالفًا مع كوبا، في إطار "الحرب الباردة". وكاد التوتر الذي بلغ ذروته في مرحلة من المراحل، أن يؤدّي إلى حرب نوويّة بين الطرفين!.
(2) كما حصل مع شركة "​هواوي​" مثلاً، عندما جرى حرمانها من برامج تشغيل عالميّة عدّة، بحجّة خطرها الأمني.
(3) كانت مُفترضة إعتبارًا من مطلع أيلول المُقبل، قبل تأجيلها إلى 15 كانون الأوّل.
(4) مُعاهدة كانت وقّعتها كل من واشنطن وموسكو سنة 1987، لإنهاء أزمة الصواريخ في أوروبا في حينه، وهي تطال كل الصواريخ الباليستية والنووية التي يتراوح مداها ما بين 500 و5500 كلم.