يمكن اعتبار ما مرّ من شهر آب، "زمن" الانتصارات الدبلوماسية في ​إيران​، اذ أثبتت القيادة الايرانية علوّ كعبها في لعبة التفاوض، وباتت في مراتب الدول الأقوى عالميا فيها، الأمر الذي سيفتح الباب في المستقبل القريب، بعد الانتخابات الرئاسية الاميركية المقبلة على اغلب الظن، على بدء عملية التفاوض بين الاميركي والإيراني، فالبلدين يمتازان بهذه "القوة" التي تتطلب الصبر والحنكة.
انتهت أزمة قضية ناقلة النفط الايرانية في مضيق ​جبل طارق​ بما يرضي طهران، بعد أن صمدت لأكثر من شهر على كل الإجراءات الغربية التي تبعت هذا الحدث. ورغم الجهود الكثيرة التي قامت بها أميركا لمنع إطلاق ناقلة النفط "غريس1"(*)، خصوصاً بعد الطلب من سلطات جبل طارق تسليمها إلى ​السلطات الأميركية​، أصبحت الناقلة حرة دون تنازلات إيرانية، بل على العكس ترافق ذلك مع خطوات تصعيدية من قبل طهران. الموقف الإيراني ارتكز على أساس عدم ترك أي خطوة دون رد، فكانت البداية بالرد على الغاء الإعفاءات بالتخفيف تدريجيا من الالتزامات النووية، إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية، وأخيراً توقيف ​ناقلة نفط​ بريطانية مقابل احتجاز بريطانيا للإيرانية. كل هذا يدل على قوة الدبلوماسية الإيرانية والتي ترافقت مع الخطوات العملية على الأرض.
بعد النصر الدبلوماسي الإيراني في ملفّ ناقلات النفط، لا بد من الحديث عن نصر جديد للسياسة ​الخارجية الإيرانية​ تمثّل في المعلومات عن زيارة وفد سعودي الى طهران حصلت قبل عيد الأضحى، وستتكرر بعده، حيث تم التباحث في ملفّات مهمّة جدا، ابرزها اليمن واعادة ترتيب العلاقات الثنائيّة بين البلدين، اضافة الى المنظومة الامنيّة في المنطقة، الامر الذي يشكّل تحولا إيجابيّا كبيرا في العلاقات بين طهران والرياض.
وفي هذا السياق ترى المصادر أن "الغزل" بين الطرفين بدأ مع انطلاق التحضير لموسم الحج، مشيرة الى أن لقاء رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية علي رضا رشيديان، ووزير الحج والعمرة السعودي محمد صالح بن طاهر بنتن، في ​مكة المكرمة​، بداية شهر آب الحالي، حمل الكثير من النقاط الإيجابية، حيث بدا واضحا التقدم الكبير بخدمة السعودية للحجاج الايرانيين. وتضيف: "ترى القيادة الإيرانية ان تعاطي السعودية معها في ملف الحجّ شكّل قفزة نوعيّة في العلاقات، يجب البناء عليها للمزيد من الحوار، وهذا ما حصل من خلال زيارة الوفد السعودي الى ايران"، مشيرة الى أن هذا الامر من شأنه ان ينعكس على "راحة" ضيوف السعودية من الإيرانيين والعكس، اذ يذهب أكثر من نصف مليون إيراني سنوياً أغلبهم من أجل العمرة وزيارة المدينة المنورة ومئة ألف آخرين للحج، كما يقصد ايران عشرات آلاف السعوديين سنويا لزيارة المقامات الدينية.
تتحدث المصادر عن قلّة المعلومات الموجودة عن اللقاء الا أنّها ترى بأنّ أي اجتماع بين الطرفين هو تطور إيجابي، يمكن وضعه الى جانب الإيجابية الموجودة في ملف علاقات ايران مع الإمارات، التي سبقت السعودية بالانفتاح على طهران، مشددة على أنه من السابق لأوانه الحديث عن نتائج وتغيرات وتحولات بانتظار مزيد من اللقاءات.
تجدر الإشارة الى أن علاقات السعودية وإيران مرّت بكثير من المطبّات، منذ العام 1943 حتى اليوم، ولكن لا شكّ ان العلاقة بالسنوات القليلة الماضية تمرّ بأسوأ مراحلها خصوصا مع اشتعال الحروب في المنطقة، من سوريا الى العراق فاليمن، فهل يكون الحوار مدخلا لتغيير إيجابي في المنطقة؟.

(*)بعد أن غادرت الناقلة الموانئ في جبل طارق، حملت اسماً جديداً وهو "آدريان دريا" وحملت العلم الإيراني ايضاً بعد أن سحبت دولة باناما الترخيص منها خلال إبحارها.