الإستراتيجيّة الدفاعيّة هي واحدة من الملفّات الشائكة المُتعدّدة التي تتجاذبها القوى السياسيّة في ​لبنان​ منذ ما لا يقلّ عن عقد ونصف العقد، وهي تتقدّم في الإعلام حينًا وتتراجع حينًا آخر. لكن خلال الأيّام الماضية عاد هذا الملف ليدخل في سياق الجدل السياسي والإعلامي. فهل فعلاً دخل هذا الملف مرحلة التجاهل والنسيان، أم أنه سيكون مدار بحث من جديد على طاولة حوار تجمع اللبنانيّين؟.
بداية لا بُد من التذكير أنّه في الخامس من أيّار من العام 2014، تمّ عقد الجلسة الأخيرة من سلسلة جلسات "​الحوار الوطني​" التي عُقدت في عهد ​رئيس الجمهورية​ الأسبق العماد ​ميشال سليمان​، من دون التوصّل إلى أي إتفاق على مجموعة من الدراسات التي قدّمتها بعض القوى السياسيّة بشأن هذا الملفّ الحسّاس، علمًا أنّ أولى جلسات الحوار كانت قد إنطلقت في العام 2006 برئاسة رئيس ​مجلس النواب​ نبيه برّي! وبالنسبة إلى العهد الرئاسي الحالي، فإنّ رئيس الجمهوريّة العماد ​ميشال عون​ كان تناول قضيّة الإستراتيجيّة الدفاعيّة في خطاب القسم وبعده، وُصولاً إلى إعلانه في آذار من العام 2018 أنّها ستُطرح على طاولة البحث بعد الإنتخابات النيابيّة، وبعد تشكيل حُكومة جديدة في لبنان. لكنّ موقفه الأخير من ​بيت الدين​، أثار سلسلة من ردّات الفعل على الرغم من التوضيح الذي صدر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهوريّة، علمًا أنّ وزير الدفاع الحالي إلياس أبو صعب كان بدوره أثار لغطًا حول هذا الملف خلال جولة له في الجنوب في الماضي القريب، حيث قال إنّ الإستراتيجيّة الدفاعيّة تُبحث حين تزول الأخطار الإسرائيليّة.
بالنسبة إلى القوى التي تضغط لبحث موضوع الإستراتيجيّة الدفاعيّة فهي دَوليّة قبل أن تكون داخليّة، وخلال السنوات الماضية صدرت العديد من المواقف الغربيّة، لا سيّما الأوروبيّة منها، والتي تُطالب ببحث هذا الملف، إضافة إلى توجيه الإتحاد الأوروبي ورؤساء بعثات دول الإتحاد، رسائل في هذا المعنى إلى رئيس الحكومة اللبنانيّة ​سعد الحريري​. وتُحاول الدول الأوروبيّة حثّ السُلطات اللبنانيّة على إيجاد تفاهم داخلي بشأن سلاح "​حزب الله​"، بهدف الحفاظ على الإستقرار الداخلي في لبنان من جهة، ومُحاولة ضبط وجهة إستخدام هذا السلاح من جهة أخرى. ومن الضروري الإشارة إلى أنّ الموقف الأوروبي مُتمايز عن الموقف الأميركي في هذا الصدد، حيث أنّ الولايات المتحدة الأميركيّة تُقارب ملف سلاح "حزب الله" من زاوية أخرى أكثر تشدّدًا بكثير، لجهة لصق صفة الإرهاب بالحزب، ولجهة المُطالبة بإلحاح بأن تفرض السُلطات الأمنيّة الرسميّة اللبنانيّة وحدها سيطرتها على كامل المناطق اللبنانية، وأن تعمل على سحب كل سلاح غير شرعي من دون أي إستثناء.
وعلى المُستوى الداخلي، فإنّ المُطالبة بإيجاد حلّ لسلاح "حزب الله"، وبالتوصّل إلى إتفاق بشأن "الإستراتيجيّة الدفاعيّة" كانت كثيفة في مرحلة ما قبل "التسوية الرئاسيّة"، من قبل حزب "القوات اللبنانيّة" بالدرجة الأولى، وكلّ من "تيّار المُستقبل" و"الحزب التقدمي الإشتراكي" بالدرجة الثانية، لكنّ هذه المواقف تقلّصت كثيرًا بعد "التسوية"، وتراجع الخُطاب المُوجّه نحو سلاح "حزب الله" بشكل واضح، في حين بقيت تصدر مواقف متفرّقة بهذا المعنى، منها أيضًا من قبل حزب "الكتائب اللبنانيّة" وبعض الشخصيّات التي كانت مَحسوبة في السابق على قوى "14 آذار".
وليس بسرّ أنّ آمالاً كبيرة كان يضعها أكثر من طرف على أن يُدير رئيس الجمهوريّة الحالي جلسات حوار بشأن "الإستراتيجيّة الدفاعيّة"، وأن تنتهي بإتفاق ما في هذا الملفّ، بإعتبار أنّ للرئيس العماد ميشال عون مكانة خاصة لدى "حزب الله"، وبالتحديد لدى أمينه العام السيّد حسن نصر الله، وباعتبار أنّ توازنات العهد الحالي تُشكّل عامل ثقة لأي خُطوة تنظيميّة يُمكن أن تُسجّل في هذا الملفّ، بمُوافقة "حزب الله" الكاملة بطبيعة الحال. لكنّ حديث الرئيس عن ضرورة إعتماد مُقاربة مُختلفة لموضوع الإستراتيجيّة الدفاعية في ضوء التغييرات التي حصلت خلال الأعوام القليلة الماضية، أضعف هذه الآمال، وبيّن للجميع أنّ هذا الملفّ لا يحظى بالأولويّة من جهة، وحتى لوّ جرى طرحه في يوم من الأيّام، فهو لن يُفضي إلى أيّ تغيير يُذكر في الواقع الحالي، نتيجة التوازنات الداخلية، وموازين القوى الإقليميّة والدَوليّة.
والمُفارقة اللافتة أنّ "حزب الله" المعني الأوّل بالموضوع، لا يُمانع عقد جلسات حواريّة بشأن الإستراتيجيّة الدفاعيّة، لأنّه يريد تحويل هذه الجلسات من مُحاولة لإيجاد ضوابط على سلاحه–كما يرغب بعض خُصومه السياسيّين في لبنان وخارجه، إلى مُحاولة لشرعنة "سلاح المُقاومة"، وإلى ترسيخه في أذهان اللبنانيّين كسلاح ضروري للدفاع عنهم بوجه الإعتداءات الإسرائيليّة.
في الخُلاصة، لا تُوحي الأجواء الحاليّة أنّ موضوع الإستراتيجيّة الدفاعيّة سيكون على طاولة البحث قريبًا بين اللبنانيّين–على الرغم من المُطالبات الخارجيّة في هذا الصدد، وذلك لأنّ عشرات المواضيع المهمّة الأخرى تتقدّم عليه من حيث الأولويّة، بالنسبة إلى السُلطة السياسيّة الرسميّة، ولأنّ أي بحث في هذا الملف في راهنًا وفق التوازنات القائمة داخليًا وإقليميًا ودَوليًّا، لن تصبّ بالتأكيد في خانة الجهات المُستعجلة للبحث في هذا الملف اليوم قبل الغدّ!.