إذا كان الموقف المتقدم الذي اتخذه ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​، بعد الاعتداء ال​اسرائيل​ي الاخير على ​الضاحية الجنوبية​، ينسجم أساساً مع مساره السياسي وخياراته الاستراتيجية، فإنّ ما استرعى الانتباه هو الخطاب السياسي الذي استخدمه رئيس ​الحكومة​ ​سعد الحريري​ رداً على تصعيد ​تل ابيب​، لِما انطوى عليه من تقاطع غير مألوف في مثل هذه الحالات مع الاتجاه العام لـ»حزب الله». فما قصة «الرسائل المسيّرة» من الحريري الى الضاحية؟

لعل أهم ما في موقف الحريري انه سمح الى حد كبير بتحصين الجبهة الداخلية وتمتين «خط الدفاع» الرسمي إزاء المخاطر الاسرائيلية، الأمر الذي صعّب على تل ابيب هذه المرة مهمة استغلال التناقضات ال​لبنان​ية واللعب عليها، كما كانت تفعل في الماضي.

ونجح الحريري، عبر تموضعه في المواقع الامامية للمواجهة الديبلوماسية، في إقفال الفجوات التي قد تتسرّب عبرها السموم الاسرائيلية، بعدما كانت الخاصرة اللبنانية الرخوة على امتداد المراحل السابقة ممراً سهلاً لكل أنواع الضغوط والاستهدافات.

وقد أدى هذا «التناغم» بين الحريري وشركائه الاساسيين في السلطة الى تعزيز أوراق لبنان الرابحة، على مستوى حضوره الديبلوماسي في هذه اللحظة المفصلية، وفق ما يؤكده احد سفراء الدول الكبرى، كاشفاً انّ المقاربة الرسمية الموحدة للاعتداء الاسرائيلي كانت مفيدة للدولة اللبنانية في إيصال رسالتها الى دوائر القرار الدولي رداً على الخرق الاسرائيلي لسيادتها، وموضحاً انه لمس شخصياً مفاعيل هذا الامر خلال مشاركته في اجتماع سفراء الدول الخمس الدائمة العضوية في ​مجلس الامن​ مع رئيس الحكومة.

وبهذا المعنى، فإنّ الاعتداء الاسرائيلي تحوّل من تهديد مفترض الى فرصة أكيدة، على مستوى لَملمة الصف الداخلي وإعادة ترتيب الاولويات، بعدما حفّز القوى الاساسية على تحييد خلافاتها الكلاسيكية عن الشأن المتعلق بمواجهة الخطر الاساسي الداهم والمتمثّل في السلوك الاسرائيلي العدواني.

وترك موقف الحريري، المُتمايز عن حلفاء مفترضين له، أصداء ايجابية لدى قيادة «حزب الله» التي لم تتردد في الإشادة به، معتبرة انه يستحق التنويه. ولعلها من المرّات القليلة التي يتناغم فيها الطرفان نسبياً حيال نمط المقاربة لإحدى محطات الصراع مع اسرائيل، علماً انّ طريقة إدارة هذا الملف هي من المواد الخلافية التي كانت ولا تزال تسبب انقساماً داخلياً.

ربما يجد البعض انّ ما ذهب إليه الرجل في رد فعله على استهداف الطائرتين المسيّرتين للضاحية هو الحد الادنى الذي تفرضه عليه مسؤوليته كرئيس للحكومة، وبالتالي لا يجب تحميل طروحاته أكثر مما تتحمّل، لكنّ «حزب الله» ينطلق في تقديره لسلوك الحريري من معرفته بأنّ شريكه في «ربط النزاع» مقيّد بتوازنات داخلية واقليمية دقيقة، وانه لا يستطيع تجاهل الحسابات الاميركية والسعودية، ومع ذلك كان واضحاً وحاسماً في تَموضعه ضد الاعتداء الاسرائيلي، وصولاً الى إعطائه إشارات حول شرعية اعتماد خيار الرد العسكري على هذا الاعتداء.

ووفق العارفين، إنطلق الحريري في موقفه من الاعتبارات الآتية:
- تعرّض لبنان لاعتداء اسرائيلي فاضح، لا مجال للاجتهاد حياله.
- ضرورة تجاوز الخلافات الداخلية ورفع منسوب الوحدة الوطنية عندما يتعلق الامر بالتصدي للخطر الاسرائيلي.
- فَجاجة الخرق الاسرائيلي المكشوف للقرار 1701، ما يستدعي من ​المجتمع الدولي​ تحمّل مسؤولياته، ولاسيما انّ هناك احتمالاً بأن تكون الطائرتان المسيرتان قد أطلقتا من البحر، الامر الذي يقع ضمن نطاق عمل «اليونيفيل».
- الإنسجام مع ​البيان الوزاري​ للحكومة الذي شكّل قاعدة مقررات ​المجلس الاعلى للدفاع​ في اجتماعه الاخير، علماً انّ البيان يلحظ «حماية وطننا من عدو لَمّا يزل يطمع بأرضنا وثرواتنا الطبيعية»، ويؤكد «حق المواطنين اللبنانيين في ​المقاومة​ للاحتلال الاسرائيلي ورَد اعتداءاته.»
- إعتقاد الحريري بأنّ اقترابه «الشجاع» من «حزب الله» واعترافه الضمني بأحقية الرد على الاستهداف الاسرائيلي للضاحية، سيدفعان المقاومة الى أخذ هواجسه في الاعتبار لجهة درس حدود الرد جيداً وعدم التهور في زيادة جرعته، تجنّباً لاحتمال تدحرج التصعيد والانزلاق نحو حرب شاملة مدمرة، قد تتجاوز لبنان الى العمق الاقليمي، مع ما سيعنيه ذلك من دخول المنطقة في نفق المجهول.
- ترجيح الحريري انّ اسرائيل لن تندفع الى مغامرة عسكرية واسعة، خصوصاً إذا كان الرد من النوع الذي تستطيع دفع فاتورته، علماً انّ رئيس الحكومة تبلّغ من الاميركيين ومراكز القرار الدولي رفض التصعيد، بل هناك من يلفت الى انّ ​واشنطن​ تأخذ على اسرائيل انها تَخطّت هامش المناورة في تحركاتها العسكرية ولعبت بالنار في توقيت لا ينسجم كثيراً مع عقارب «الساعة» الاميركية. لكنّ اوساطاً قريبة من الحريري تدعو في الوقت نفسه الى عدم تجاهل ما تضمّنه موقفه غداة التصعيد الاسرائيلي من مطالبة بعدم الانجرار الى مخططات معادية، «وفي ذلك نصيحة الى الحزب بعدم الذهاب نحو سيناريو 2006 مجدداً، وربما ما هو أسوأ منه».