لبّى رئيس اساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك ​المطران عصام يوحنا درويش​ دعوة المنطقة السابعة في اقليم البقاع في ​حركة امل​ للمشاركة في مجلس عاشورائي أقيم في بلدة علي النهري، والقى المطران درويش كلمة في المناسبة، شدد فيها على ان ​عاشوراء​ هي مناسبة لتعميق الإيمان ولإنتصار الحق على الظلم، مشيرا الى ان نجتمع معا في هذه الأيام المباركة ونحيي ذكرى عاشوراء، وهي مناسبة جيدة لنا جميعا لنعمّق إيماننا بهذه المدرسة التي تعلمنا التضحية والفداء. وهي أيضا مناسبة لنجدد الوعد بأننا سنكون دوماً الى جانب الضعفاء والمظلومين في هذا العالم.
وشدد على ان نصرخ اليوم من أعماق قلوبنا، صرخة الحق وننادي معاً بأن يُعملَ بهذا الحق، فالحسين كان شخصا، لكنه اليوم صار رمزاً للذين يرومون العدالة، كان فرداً فصار جماعة تنادي بوأد الظلم والمهانة. كان الحسين مجاهداً فصار نهجاً وفكراً يجتاح القلوب والعقول.
ولفت المطران درويش الى ان تُذكرني عاشوراء بواقعة يوحنا المعمدان والملك هيرودس. كان يوحنا يوبّخ الملك لجميع الشرور التي كان يفعلها، فحنقت الملكة هيروديا عليه وصممت على قتله، وكانت تتحين الفرصة لتتخلص منه، وفي عشاء جمع الملك عظماء المملكة، دخلت ابنة هيروديا ورقصت، فأراد الملك أن يكافئها ووعدها بقسم أنه مهما طلبت يعطيها (متى7/14) حتى نصف مملكته (مرقص6/23)، فطلبت بعد استشارة أمها راس يوحنا المعمدان. طالب يوحنا باستقامة الحاكم وأراد أن يُقومَ مسلكه لمصلحة الناس. جرأته وتبشيره أوصلتاه الى الاستشهاد. امر الحاكم بقطع رأسه لكنه لم يتمكن من قطع رأس الحقيقة وبقيت كلماته تتردد عبر الأجيال في آذان جميع حكام العالم.
وفي ​كربلاء​ أيضاً، قُطع رأس الحسين، الإمام الثالث وسيدُ ​الشباب​، لكنَّ الحق في عالمنا لم يُقطع والذلُّ والمهانةُ هزما، لا بل بدأنا نشهدُ انتصارَ العزة والكرامة. فالإمام الحسين شعلةُ كفاحٍ من سِيَر العظماء. تمسّك بالمبادئ ولم يَهَبْ كثرةً ظنّتْ أنَّ العزةَ والذّلةَ تُقاسان بالعدد. سارَ بِقلّتهِ المؤمنة، وثبت في معركةِ الحق والباطل. مشى إلى الفوز أو إلى الموت. والموت نصر سلبي في الجهاد، فمن جاهدَ واستُشهد فقد طرح إهابَ الأرض ليلبس حُلّةَ السماء، أي حلّةَ الخلود الأبقى.
خرجَ الحسين بحوافزِ الحق إلى الكفاح ليمزجَ روحَ العالَم، ويتولّد من هذا التفاعل هيكلُ الفضائلِ الحيّ الذي يقوم على حدود الله وقواعدِ تعاليمهِ ووصاياهْ.
سقطَ الإمام صريعا بعد كفاح رهيب، وبعدَ أن أرسلَ كلمةَ الحق في العراء، هذه الكلمة التي نَثَرتْ عبيرها العاطر، بالمساحات النظيفة قبلَ أن تعود بنشيد الشهداء."
وأكّد ان " انا كمسيحي أعتبر أنني معنيٌّ بهذا الحدث التاريخي المهم وأفهم عاشوراء بانها انتصارٌ على الألم وعلى الظلم وعلى الخيانة. ففي عاشوراء أيضاً أوجهُ شبهٍ كثيرة مع مأساة الإنسان التي تلازمه طوال حياته، وفيها أيضاً أوجه شبه مع ​المسيحية​. ففي ​صلب المسيح​ وقيامته انتصارٌ على خيانة يهوذا الذي باعه بثلاثين من الفضة وانتصار على جماعة اليهود الذين أسلموه، وفيها أيضاً انتصار على الألم والموت.
كما أني ارى في عاشوراء وثبةَ حياة جديدة وولاءً مطلقاً لله والوطن وهي أيضاً توبة عميقة وعودة إلى الله وإلى الإنسان الآخر
أفهم عاشوراء بأنها ليست تاريخاً ولا حدثاً محدوداً بوقت وزمن، إنها حالةٌ ما زالت تتكرر في عالمنا العربي وهي حدث يومي نعيشه نتيجة تشتت فكري وثقافي. فالنزاعات بدل أن تخبو ما زالت تنمو باضطراد في ما بيننا. لقد جعلنا من صراع الحضارات وصراع الأديان والمذاهب، شغلنا الشاغل، كما أننا زرعنا في نفوسنا التباسا بين الدين والسياسة وصرنا لا نميز بين الخير والشر.
وأضاف ان "من رحم الألم نفهم عاشوراء بأنها أيضاً تطلع إلى الوحدة والعيش المشترك من أجل حياة أفضل. وهذا يتطلب حواراً متواصلاً وتفاهماً متبادلاً، فلا تقدمَ ولا سلامَ ولا أمنَ من دون قبول الآخر كما هو، بفكره وعقيدته ودينه ورؤيته الخاصة واحترام تطلعاته. ونحن كمسؤولين روحيين علينا أن نبادر قبل غيرنا إلى تشجيع هذا الحوار وتعزيز التنوع الثقافي في مجتمعنا. وانا على قناعة، عندما نكون صادقين في حوارنا، سينتج في ما بيننا تراثاً مشتركاً وتقاليدَ روحية وإنسانية واجتماعية تساهم في تخفيف حدة الانقسامات الموجودة في مجتمعنا.
وعاشوراء هي أيضاً مدرسة تعلمنا التعاون بين الأديان. هذا التعاون الذي ننشده سيؤسس، من دون شك مواطنية سليمة وتوزيعًا أفضل لخيرات الوطن وتوازناً في توزيع وظائف الدولة. ونحن على قناعة بأننا معا سنربح الرهان في أن تبقى الأديان السماوية في العالم العربي رسالة واضحة للعالم كله.
وأمل درويش في الختام في " ان تكون عاشوراء هذه السنة مناسبةً توحدنا معا، فنتكاتف ونعمل معا على تأسيس مجتمع واحد مبني على الاحترام المتبادل بين جميع مكونات المجتمع، فالله يريدنا أن نعيش سعداء محبوبين ومُحبين. والأخوّة في ما بيننا أصبحت حتمية ولا مجال لنحافظ على لبنان إلا بعلاقات متينة وبأن يكون واحدُنا حارساً للآخر "لأن الدين الحق هو أن ندرك أننا مسؤولون تجاه الآخرين، تجاه أخوتنا في الإنسانية، ومتى أدركنا هذا "يتدفق التضامن والعدالة والرحمة والتعاطف بشكل طبيعي من قلوبنا" (البابا بندكتوس السادس عشر في رسالته صوم 2012)."