كثيرةٌ هي المؤشّرات التي تدلّ على أنّ طبول الحرب تُقرَع في المنطقة. لعلّ الهجوم على منشآت شركة "​أرامكو​" ​السعودية​ أكثرها وضوحاً، بالنظر إلى حجمه أولاً، وتداعياته ثانياً، خصوصاً على مستوى العلاقة بين الولايات المتحدة و​إيران​، وبين دول الخليج وإيران.
أدّى الهجوم إلى حراكٍ إقليميّ ودوليّ يبدو مرشّحاً للتصاعد أكثر فأكثر. واشنطن تقول إنّها تدرس "جدياً" خياراتها للردّ على الهجوم، ومثلها تفعل السعوديّة التي وجّهت أصابع الاتهام مباشرةً إلى طهران بالوقوف خلف الاعتداء، ولو تبنّاه الحوثيّون، مستندةً إلى تضامنٍ عابرٍ للحدود وجدته في أعقاب الهجوم.
كلّ ذلك، معطوفاً على نتائج الانتخابات الإسرائيليّة المفاجئة لكثيرين، ترك الإيحاء نفسه: هي طبول الحرب تُقرَع بقوّة. لكن أين ​لبنان​ المنقسم على نفسه منها؟ هل يراهن على "نأي بالنفس" كان "​حزب الله​" سبّاقاً إلى "خرقه" بإعلان عدم وقوفه على الحياد في أيّ مواجهةٍ مقبلة؟ وهل يتحمّل لبنان، في ظلّ وضعه الاقتصادي شبه المُنهار، أيّ تداعياتٍ لمعركةٍ يعتقد كثيرون أنّ لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟!

لا للحياد!


لعلّ المفارقة اللبنانية، في خضمّ تسارع الأحداث الدراماتيكيّ في المنطقة، منذ الاعتداء على منشآت "أرامكو"، والذي اتفق المحلّلون على توصيفه بأنّه الأكبر حجماً ونوعاً منذ العام الماضي، تكمن في أنّ كلّ الأفرقاء، بمختلف انتماءاتهم السياسية المتناقضة، لم يتأخّروا في رفع شعار "لا للحياد" في أيّ معركةٍ يمكن أن تقود إليها المستجدّات.
بعضهم لم يتوانَ عن رفع الشعار علناً، كما فعل "حزب الله"، الذي قال أمينه العام ​السيد حسن نصر الله​ صراحةً إنّه لن يقف "على الحياد" في أيّ مواجهةٍ مع إيران، محذّراً من أنّ أيّ حربٍ من هذا النوع ستؤدي إلى إشعال المنطقة بكاملها، بل ذهب أبعد من ذلك باعتباره هذه المواجهة "معركة بين الحقّ والباطل"، وصولاً إلى حدّ تكرار عبارات "الولاء" لإيران ومرشدها السيد ​علي خامنئي​، ووصفه بأنّه "إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان".
ومع أنّ مواقف السيد نصر الله هذه التي أطلقت في ذكرى عاشوراء، أثارت الكثير من الالتباس، فضلاً عن التحفّظات والاعتراضات في الداخل اللبناني، على اعتبار أنّها أظهرت "تبعيّة" لإيران، واستعداداً لتوريط لبنان في أتون حربٍ تخصّ الأخيرة حصراً، كما يقول خصوم الحزب، فإنّ أحداً من هؤلاء لم يكن يتوقّع أن يخرج عن "حزب الله" موقفٌ مخالفٌ، نظراً للعلاقة العضوية القائمة بين مسؤولي الحزب والدولة الإيرانية، علماً أنّها لم تكن المرّة الأولى التي يخرج فيها كلامٌ من هذا النوع عن السيد نصر الله، الذي سبق له أن أعرب قبل سنوات عن فخره بأن يكون "جندياً في ولاية الفقيه".
بيد أنّ "عدم الحياد" هذا ليس حكراً على "الحزب"، إذ إنّ المحور الآخر أيضاً لا يمكن أن يقف "على الحياد" في أيّ مواجهةٍ كبرى، وإن لم يجاهر بموقفه كما فعل قياديّو "حزب الله". وفي هذا السياق، ثمّة في هذا المحور، من يقول إنّ "انتحارياً" فقط هو من يختار الوقوف ضدّ الدول العربية في حال اندلاع مواجهةٍ جدية، بعيداً عن كلّ "بِدَع" الخصوصيّة التي لطالما تغنّى بها اللبنانيون. ويستذكر هؤلاء الأزمة الكبرى التي تسبّب بها خروج لبنان عن الإجماع العربي سابقاً، والتي لا يزال لبنان يدفع ثمنها حتى اليوم، من باب المقارنة بين التحفّظ على عبارةٍ بسيطةٍ في بيان، وبين "الرمادية" في حربٍ واسعةٍ لن تحيّد أحداً من شظاياها.

رسائل لافتة


لكن، أبعد من الحياد ومقوّماته أو معوّقاته، ثمّة من يسأل عن المصلحة اللبنانية في أيّ موقفٍ يمكن أن تتّخذه الحكومة، بعيداً عن شعارات "المبدئيّة" التي لا تغني ولا تسمن من جوع، خصوصاً أنّ لبنان في وضعٍ لا يُحسَد عليه، وهو "يصارع" من أجل عدم السقوط في فخّ الانهيار الاقتصادي الذي لا تُحمَد عقباه، وينشد لذلك الحماية الإقليمية والدولية، سواء من خلال وعود مؤتمر "سيدر" المشروطة، أو غيرها.
وهنا يتوقّف البعض عند ما يعتبرها رسائل لافتة برزت في الأيام القليلة الماضية، لعلّ أهمّها يكمن في الوعود السعودية الجديدة بمساعداتٍ ماليّة للبنان، وتحديداً ما صدر عن وزير المال السعودي محمد الجدعان الذي أعلن أن المملكة تجري محادثات مع حكومة لبنان بشأن تقديم دعم مالي، مضيفاً: "نضع أموالنا والتزامنا في لبنان، وسنواصل دعم لبنان ونعمل مع حكومته"، في رسالةٍ أتبِعت بزيارة "عاجلة" لرئيس الحكومة ​سعد الحريري​ إلى الرياض، قبل أخرى متوقّعة نهاية الشهر المقبل تلبيةً لدعوةٍ للمشاركة في مؤتمرٍ حول الاستثمارات.
وقد يكون التوقيت الذي جاءت فيه الخطوة السعوديّة الموعودة أهمّ من كلّ التفاصيل الأخرى، لتحليل الأبعاد والمعاني، فأن يأتي الدعم السعودي للبنان بعد سنواتٍ ممّا وُصِف بـ"تخلي" المملكة عن لبنان، على خلفيّة مواقف "حزب الله" وما يعتبره السعوديون "خضوعاً" لهيمنته حتى من جانب أصدقائهم وحلفائهم، في وقتٍ تُقرَع طبول الحرب في المنطقة، لأمرٌ أكثر من معبّرٍ وأكثر من لافت، وفيه أكثر من رسالةٍ مبطنةٍ خلف السطور، على اللبنانيين قراءتها جيّداً، وبتمعّن.
وبحسب القراءات الأولية للخطوة السعودية، فإنّها تؤشّر بشكلٍ واضحٍ إلى تغييرٍ في السياسة السعودية إزاء لبنان، بعد كلّ ما ساد العلاقات في الأشهر الماضية، وأدّى في مرحلةٍ من المراحل إلى تجميد العمل بما عُرِفت بالهبة السعودية. وبالتالي فإنّ هذا التغيير، ولو جاء نتيجة جهودٍ ومساعٍ اضطلع بها الكثير من "الأصدقاء" المشتركين، فإنّه يهدف بشكلٍ أساسيّ إلى تحصين العلاقات مع لبنان، منعاً لسقوطه في المستنقع أو الحضن الإيراني، لغياب البدائل، وبالنظر إلى الدعم "السخيّ" الذي تقدّمه طهران إلى حلفائها بالحدّ الأدنى.

بحثاً عن "الإخراج"


لطالما أصرّ لبنان على ضرورة "تحييده" عن سياسة المحاور، انطلاقاً من "الخصوصية" التي يتمتع بها، وهو المنقسم على نفسه بين محاور متناقضة، تتشارك الطاولة الحكومية الواحدة، وحتى كعكة "المحاصصة" كما يحلو للبعض القول.
من هنا، يبدو أنّ المواجهة المفصليّة المقبلة، إن حصلت، ستشكّل "امتحاناً" غير يسير للبنان، قد تكون تداعياته عليه أكثر خطورة من تداعياته على الأطراف المحوريّة الأساسية في المعركة، أو تلك التي ستكون "جبهاتها" مشتعلة ميدانياً منذ إطلاق الصافرة الأولى.
"حزب الله" قال صراحةً إنّه لن يقف على الحياد، وخصومه ينبّهون من مخاطر الخروج على الإجماع العربي، إذا ما توافرت مقوّماته، وبين هذا وذاك، لن يكون بمقدور لبنان سوى البحث عن "إخراجٍ" ما يجنّبه مرارة أن يكون "الخاسر الأكبر"، كما درجت العادة...