لم يكن ال​لبنان​يون يوماً كالأتراك والمصريين والتونسيين وغيرهم من الشعوب التي ثارت ضد أنظمتها بروح وطنيّة. سبق وأن صوّر بعض اللبنانيين أنّ تظاهرة ​14 آذار​ 2005 كانت وطنيّة صافية وتضمّ مختلف الطيف اللبناني، ليتبيّن أنّ حساباتها سياسية سرعان ما بدّدت آمال المشاركين فيها. ماذا حقّقت يومها؟ قيل إنها فرضت مرحلة جديدة. هل حسّنت الأداء السياسي؟ بالطبع لا. هل فرضت نظام ​الدولة​ المدنيّة؟ بالعكس تماما، ربما ساهمت في ترسيخ الواقع الطائفي في البلد، بدليل النزاع الّذي اتّخذ منذ ذلك العام ابعاداً طائفية ومذهبية.
يجب ان نتعلم من المصريين والأتراك والتونسيين أنّ الثورة يجب ان تكون ذات أهداف وطنية. لم يخرج الجمهور اللبناني الى الشوارع متّحداً من أجل تحسين ظروف معيشته، ولا من أجل منع الفساد أو فرض محاسبة العابثين بالأمن الإجتماعي والمعيشي. واذا كانت كل الآلام التي يعيشها ​الشعب اللبناني​ الآن لا تحمله الى رفع الصوت وإجبار المسؤولين على تقديم الحلول، فمتى يفرض المواطنون وجودهم؟!. يمكن لمن يتابع وسائل التواصل الإجتماعي الجزم بأن الثورة قائمة. هي ثورة على الجدران ومن خلال التغريدات. الإنتقاد من دون ترجمة لا جدوى منه. واذا كان لا بدّ من توجيه النقد، فليكن المواطن أوّل من ينتقد نفسه، بسبب تموضعه طائفيا ومذهبياً. ذاك التموضع هو الذي يكرس النظام الطائفي المسؤول عن النكبة الإجتماعية الحاصلة.
فليسأل كلُّ مواطن نفسه: لماذا تحرّكني العناوين الطائفيّة والحزبيّة ولا يدفعني العنوان المعيشي الى اعلان الإتّحاد الوطني لمواجهة الفساد؟ لا تكون المواجهة بشعار يتردّد على ألسنة سياسيين غرقوا هم ايضا ب​منظومة​ الفاسدين. بل بفعل وعمل يومي يغيب عن لبنان الآن.
لا أمل بأيّ إسقاط للنظام السياسي الطائفي المسؤول الأوّل عن حماية الفساد والمفسدين ووضع الخطوط الحمر حول المتّهمين، طالما الشعب يتوزّع طوائف ومذاهب ومصالح تجعلهم رهائنها الى أبد الآبدين. لذلك، لا بدّ من التفتيش بخبايا الأزمة الإقتصاديّة القائمة، التي يرصدها ​المجتمع الدولي​ ويتسلّل من خلالها الى حصد نتائج سيّاسية عجز عن تحقيقها في السلم والحرب.
كل المؤشرات توحي ان الكلام الأميركي في السّر والعلن هو محاولة رمي مسؤوليّة تدهور الاوضاع اللبنانية على موقف لبنان الإقليمي. يريد الأميركيون أن يصوّروا انّ العقوبات المالية على مصارف واشخاص ومجموعات هي بسبب "​حزب الله​". وتتحدّث المعلومات ان قوى لبنانيّة تتهيأ لرمي مسؤوليّة تدهور الأوضاع الإقتصادية برمّتها على الحزب نفسه. هذا هو المطلب للنيل من شعبيّة الحزب عند كل ​الطوائف​ في لبنان. الهدف من ذلك محاولة ارضاخه وضرب احد عناصر القوّة الإقليميّة الحليفة ل​إيران​. يرغب الاميركيون بالضغط على "محور ​المقاومة​" لتحقيق أهداف عدّة: جر طهران الى تفاوض بسقف إيراني منخفض. تحقيق آمان ​إسرائيل​ وصولا الى تسويق مشروع اتفاقيّة صفقة القرن. خفض السقف اللبناني بشأن حقول الغاز والنفط في البحر، واجبار اللبنانيين على التخلي عن مساحات حدوديّة جنوبية. ضرب النفوذ الايراني و"حزب الله" ضمنا في سوريا.
كلها عوامل يطرحها الأميركيون في جلساتهم، فيرى حلفاؤهم ان إضعاف الحزب وحلفائه إقتصاديا وهزّ الإستقرار النقدي والمعيشي في لبنان يحمل الحزب على تقديم تنازلات. لم يبق امام اللبنانيين الاّ مواجهة تلك المعضلة بعد فشل الخيارات الأخرى التي كانت موجّهة ضدهم في الميدان والسياسة. لكن صعوبة المواجهة الآن انّها تطال كل فرد في منزله. واذا ارتفع الصراخ اللبناني سيتدخّل الخارج لشدّ الحبل حول عنق المُستهدف.
مما يعني أن الحلّ في حال لم يكن بالإجراءات اللبنانيّة الجذريّة التي تكمن في تأسيس سلطات محاسبة قائمة على اسس مدنيّة وحسابات وطنيّة، فإنّه لن يحلّ الا عندما يحصل الاتفاق الدولي-الإقليمي. سننتظر اشهرا حتى يتّضح المشهد. اقله حتى شهر شباط المقبل وهو موعد السماح الأميركي لنظامنا المصرفي قبل التدخل بسلسلة موجعة من جديد.