وصلت العواصف السياسية باكراً الى ​لبنان​ وبدأ نذيرها يلوح في الأفق في ظل أزمة اقتصادية ومالية تهدّد ركائز ​الدولة​. وما من شك في أنّ اللقاء الأبرز ل​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​ في ​نيويورك​ كان بالرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​، الذي كان من المفترَض أن يزور لبنان في بداية عهد العماد عون جرياً على عادة أسلافه تأكيداً للروابط التاريخية. علماً أنّ الرئيس اللبناني زار ​باريس​ في بداية عهده، تلبيةً لدعوة وجهت اليه للقيام «بزيارة دولة» التي تُخصص لها تدابير وسلسلة تشريفات خاصة تكريماً للضيف المميّز.

لكنّ زيارة ماكرون لبنانَ لم تحصل بعد، وأجّلت بالأمس للمرة الثالثة من تشرين الثاني المقبل الى موعد غير محدد عام 2020. هذا ما أبلغه ماكرون الى نظيره اللبناني بلغة ديبلوماسية. وبدا أنّ الرئيس الفرنسي يربط زيارته بإنجاز الاصلاحات المطلوبة التي التزمها ​اللبنانيون​ في ​مؤتمر​ «سيدر»، تمهيداً لبدء ورشة إنقاذ لبنان اقتصادياً وانتشاله من المستنقع.

وخلال لقائه عون في نيويورك تحدث ماكرون بعبارات ناعمة عن حجم المأزق الذي يعيشه لبنان وضرورة تنفيذه الإصلاحات التي وعد بها لإطلاق مشاريع «سيدر». أراد ماكرون أن يقول: رجاءً ساعدونا لنساعدكم.

قبل ذلك كان الموفد الفرنسي المكلّف ملفّ «سيدر» ​بيار دوكان​ زار لبنان للمرة الثانية في اطار مهمته، وتحدث متخلياً عن «الكياسة» الديبلوماسية، عن تلكّؤ المسؤولين اللبنانيين في بدء الإصلاحات المطلوبة لدرجة وصفه بـ«المفوَّض السامي» بسبب اسلوبه في الكلام. فهو قال ما معناه: كفاكم تذاكياً. فأنتم أمام الفرصة الاخيرة قبل الانهيار. إذ قال حرفياً: «لا يمكن أن نجد مؤشراً اقتصادياً ومالياً واحداً ليس سيّئاً، وسيصبح وضعكم أكثرَ صعوبة طالما أنكم لا تنفّذون ما تعدون به من إصلاحات. ونقطة الانطلاق تبدأ بمعالجة مشكلة الكهرباء».

صراحة دوكين كانت قاسية، لكنّه تعمّد إطلاق عباراته الجارحة. اراد ان يُحدث صدمة علّها تحرك نخوة كبار المسؤولين.

لكن المفاجأة أن الامور بقيت اسيرة التجاذبات والحسابات الضيقة. المعامل التي هي باب الحل لم يبدأ بناؤها بعد لأسباب غير مفهومة. هنالك كلام كثير في الكواليس على خلافات مالية بين الملتزمين الثلاثة، قيل إنها حلّت أخيراً مع وعد ببدء بناء أول معمل مطلع العام المقبل.

في ​الموازنة​ الحالية جرى إقرار 1500 مليار ليرة لبنانية للكهرباء ما شكّل مبلغاً مرهقاً للخزينة. والاسوأ ما يجري تداوله عن المطالبة بمبلغ يتراوح ما بين الألفين والـ 2500 مليار ليرة لموازنة عام 2020. وهو ما يعني رفع مستوى ​العجز​ والسعي لتعديله من خلال إجراءات ضرائبية اخرى.

في ​بيروت​ طالب دوكان بتعيين هيئة ناظمة للكهرباء، اضافة الى اعضاء مجلس الإدارة. لم يحصل ذلك بعد رغم ​التعيينات​ الكثيرة التي أقرّها ​مجلس الوزراء​، إضافة الى تحضير تعيينات أخرى. كذلك طالب دوكان بإجراءات تضمن شفافية التلزيمات. وأخيراً التقى رئيس ​الحكومة​ ​سعد الحريري​ الرئيس الفرنسي في باريس بدعوة من الثاني.

وكرّر ماكرون مضمون كلام دوكان، ولكن بلغة ديبلوماسية.

سأل عن أسباب التأخير الحاصل في الإصلاحات. ووفق المعلومات فإنّ الحريري طلب من ماكرون أن يكرّر أمام الرئيس اللبناني كلامَه عندما سيلتقيه في نيويورك.

تسرّب مضمون الاجتماع ووصل الى مسامع المسؤولين في لبنان فاعتبر البعض انّ الحريري يحرّض الرئيس الفرنسي على نظيره اللبناني.

وترافق ذلك مع ما اعلنه فريق الرئيس الحريري بطرحه المعادلة التالية: إمّا هيئة ناظمة ولا كهرباء، او كهرباء ولكن من دون هيئة ناظمة. المعادلة المطروحة خطيرة وتكشف الكثير وتفضح المستور.

قريباً سيشهد مجلس الوزراء اجتماعات عاصفة، في هذا الاطار، ولا يستبعد البعض أن تؤدي الصراعات الى تعطيل اجتماعات مجلس الوزراء لبعض الوقت، والأخطر انّ ذلك سيترافق مع تحركات في الشارع تحت وطأة ازمة «الدولار» وتراجع الحركة الاقتصادية والانكماش الحاصل الى مستويات متدنّية خطيرة.

بعد أزمة ​قبرشمون​ التي كادت تفجّر البلد، والتي انتهت بغداء عائلي في ​قصر بيت الدين​، حصل لقاء مفاجئ في ​اللقلوق​ بين الوزير ​جبران باسيل​ والنائب ​تيمور جنبلاط​ وهو ما أدّى الى إلغاء رئيس «القوات اللبنانية» ​سمير جعجع​ لزيارته الجبل ولو من دون تبنّي السبب.

في لقاء باسيل – جنبلاط دار حديث حول ​المستقبل​ والشراكة السياسية بين الطرفين اضافة الى الشراكة الإنمائية. واعتقد البعض انّ هذا اللقاء الذي أزعج المير ​طلال ارسلان​، كما سمير جعجع، سيؤسّس لهدنة، ثم التفاهم بين باسيل والمختارة من خلال مدخل «جنّة» التعيينات.

لكن جنبلاط الذي حصّن نفسه بالحماية الفرنسية، كما الاميركية، خلال أزمة قبرشمون فاجأ الجميع بتغريدة عن استقدام ​بواخر الكهرباء​ وعن «مدام فساد».
هو اطلق إشارة تحركه المعارض حيال عدم التزام خطة إصلاح الكهرباء، خصوصاً لناحية تعيين الهيئة الناظمة وأعضاء مجلس الإدارة وإجراءات ضمان شفافية المناقصات.

ومن المفترض أن يكون جنبلاط قد درس «انتفاضته» ​الجديدة​ مع «حلفائه» داخل الحكومة، ولا سيما «القوات اللبنانية» والرئيس ​نبيه بري​، ومتظلّلاً بالمناخَين الفرنسي والأميركي.

جنبلاط الذي يتحضّر لزيارة مهمة للولايات المتحدة الاميركية الشهر المقبل، سيلتقي على الأرجح مسؤولين كباراً في ​الادارة الاميركية​ قد يكون من بينهم وزير الخارجية ​مايك بومبيو​ الذي تجنّب لقاء نظيره اللبناني خلال وجوده في ​الولايات المتحدة الاميركية​، كما الرئيس اللبناني للسنة الثالثة على التوالي.