فتحت الأزمة بين ​الدولة اللبنانية​ وأصحاب محطّات المحروقات الباب لطرح الكثير من علامات الإستفهام، حول الجهة التي من المفترض بها حماية المواطنين، لا سيّما أنهم في كل مرة يدفعون ثمن هذا الصراع الذي لا يعرفون الخلفيّات الحقيقيّة له، خصوصاً أن التعامل معهم يتم على أساس أنهم رهائن لا أكثر.
ضمن هذا السياق، وجد المواطنون أنفسهم، أول من أمس، أمام معضلة السعي إلى تعبئة سياراتهم ب​الوقود​، نظراً إلى أن أصحاب المحطّات أعلنوا الإضراب المفتوح، في حين أن تأمين الأموال لذلك لم يكن سهلاً، خصوصاً أنهم باتوا على أبواب نهاية الشهر، بينما معظم اللبنانيين رواتبهم لا تكفي حتى منتصف الشهر، فكيف هو الحال في فصل ​المدارس​ والمونة وتأمين وسائل التدفئة قبل ​الشتاء​؟.
الأصعب من كل ما تقدم، هو أن اللبنانيين وجدوا أنفسهم في صباح اليوم التالي، أي أمس، من دون أيّ مشكلة حقيقيّة، حيث كانت ​محطات المحروقات​ تفتح أبوابها لتأمين الوقود لمن يريد، بينما أغلب المواطنين سبق لهم أن ملأوا خزانات سياراتهم في اليوم السابق، لكن من دون أن يُحاسَب أيّ شخص أو جهة على أساس أنها مسؤولة عن حالة القلق التي مرّ بها عشرات الآلاف.
من حقّ أصحاب محطّات المحروقات السعي إلى حماية حقوقهم، لكن هناك معادلة في السوق اللبناني غير مفهومة حتى الآن، إذا أراد أيّ مواطن شراء كمية من الدولارات عليه أن يقوم بهذه العمليّة وفق أسعار السوق السوداء، التي تخطّت 1600 ليرة مقابل الدولار الواحد، بينما إذا أراد أن يقوم بأي عملية شراء، حتى لو كان ذلك من محطات المحروقات التي يشتكي أصحابها، تتم على أساس 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد، وبالتالي تكون خسارته 10000 ليرة لبنانية مقابل كل 100 دولار، الأمر الذي لا يمكن السكوت عنه بعد اليوم.
عند هذه النقطة، من المفترض السؤال عن دور السلطات المعنية في حماية المواطن والإقتصاد معاً، طالماً أنّ ​مصرف لبنان​ يصرّ على عدم وجود أيّ أزمة حقيقيّة، وبالتالي من المفترض أن يتمّ الإلتزام بالتسعيرة الرسميّة التي تحدّد من قبله، فلماذا لا يُحَاسَب المخالفون بشكل حازم، خصوصاً أنّ الأمن الإقتصادي يشكّل في المرحلة الراهنة أولويّة؟!.
قبل أيام، تم توقيف 6 صيارفة مرخصين، على خلفيّة عدم التزامهم تعاميم مصرف لبنان لناحية تسعير وصرف الدولار، الأمرّ الذي شكل بارقة أمل بأنّ الدولة قرّرت أن تفرض هيبتها على هذا الصعيد وتحاسب، لا سيما أنّ تداعيات الإستمرار بحالة الفلتان القائمة ستكون كارثيّة، إلاّ أنّ المفاجآة كانت بإخلاء سبيلهم بسند إقامة في اليوم التالي، فهل يمكن القول أن توقيفهم لمدة 24 ساعة كفيلاً بردعهم؟!.
بالتزامن، لا يمكن إنكار وجود أسباب خارجيّة لهذه الأزمة، فالجميع باتَ يعلم أن الولايات المتحدة الأميركية تقف وراء الضغوط التي تُمارس، على قاعدة أنّها ستؤدي إلى إضعاف "​حزب الله​" وحلفائه، أو على الأقل دفعهم إلى تغيير مواقفهم، لكن في المقابل لا يمكن إنكار أن هذا الأمر يتم بالتواطؤ مع بعض الجهّات الداخليّة، على قاعدة أنّ المطلوب تضييق الخناق من دون الوصول إلى الإنهيار الكامل، الذي قد يستفيد منه الحزب في حال حصوله.
في هذا الموضوع، هناك أيضاً مسؤوليّة على الدولة اللبنانيّة، التي يقع على عاتقها، أولاً وأخيراً، حماية مواطنيها، وبالتالي من المفترض البحث عن الحلول التي تخفّف من واقع الأزمة، لا الإستمرار في سياسة الإستسلام للأمر الواقع، خصوصاً أنّ هامش المناورة لم يعد كبيراً، وبالتالي الأزمة تكبر يوماً بعد آخر.
في المحصلة، يتداول الأمنيّون بشعار مهم جداً هو: "الأمن هيبة قبل أيّ أمر آخر"، واليوم يجب التعامل مع الأزمة الإقتصاديّة على أساس أنّ الدولة من المفترض أن تظهر "هيبة"، في التعامل مع من يحاول إستغلال الواقع الحالي، أو مع الدول الخارجيّة التي تحاول الضغط عبر البوابة الإقتصاديّة.