مخيّبةً للآمال، جاءت أصداء التظاهرة التي نظّمتها مجموعاتٌ من ​المجتمع المدني​ خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنةً ليس فقط ب​الحراك المدني​ الشهير الذي شهده لبنان قبل أربعة أعوام، قبل أن يخمد لأسبابٍ واعتباراتٍ كثيرة، ولكن حتى بالاعتصام الأول قبل أسبوع.
فعلى الرغم من حجم وخطورة الأزمات التي تواجه اللبنانيين هذه الأيام، وإن كان بعضها مفتعَلاً برأي كثيرين، بل يندرج في إطار "حملةٍ" لاستهداف العهد والحكومة، فإنّ نسبة المشاركة أتت متواضعة وخجولة، حتى أنّ كثيرين لم يشعروا أصلاً بوجود "حراكٍ"، إلا من خلال الانتشار الأمني الكثيف في وسط العاصمة.
وفي وقتٍ كان من الطبيعي أن "تتجاهل" الحكومة الحراك المطلبيّ، نظراً لمحدوديّته قبل كلّ شيء، فضلاً عن تحوّله إلى ما يشبه "نزهة العطلة"، تُطرَح علامات استفهام عن أسباب "انكفاء" اللبنانيين عن المشاركة، حتى من فئة المستقلّين والمعارضين للأحزاب الممثلة في الحكومة...

أخطاء بالجملة...


بالعشرات فقط، قُدّرت أعداد المشاركين في تظاهرة الأحد التي دعت إليها مجموعاتٌ من المجتمع المدني، وانقسمت بين ساحتي الشهداء ورياض الصلح، اللتين شهدتا خلال الأعوام الماضية، على سلسلة من التظاهرات والاعتصامات المطلبيّة، كان أشهرها ما اصطُلح على تسميته بـ"الحراك المدني" الذي انطلق صيف العام 2015 احتجاجاً على ​أزمة النفايات​.
لكن، وبخلاف حراك 2015 الذي بدأ بأعدادٍ قليلة ما لبثت أن ارتفعت شيئاً فشيئاً، فإنّ حجم تظاهرة الأحد شهد تراجعاً نسبياً عن تلك التي سبقتها بأسبوع، حين قُدّرت أعداد المشاركين بالمئات، ما جعل التحرّك يحظى باهتمامٍ إعلاميّ أكبر، تُرجم بفتح بعض وسائل الإعلام هواءها له على مدار الساعة، ما انعكس تلقائياً من خلال تفاعلٍ لافتٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وإذا كان من الصعب إعطاء إجابة حاسمة عن أسباب التراجع هذه، فإنّ ثمّة من يحمّل المجموعات الداعية للتحرّكات مسؤولية أساسيّة، من خلال "الأخطاء" التي تمّ ارتكابها، والتي أظهرت لكثيرين أنّ الدروس التي كان يفترض أخذها من تجربة 2015 لم تنضج بعد، وبالتالي انّ مصير الحراك المستجدّ، وإن لم يكن قابلاً للمقارنة حتى اليوم مع التجربة السابقة، لن يكون أفضل. وتنطلق هذه الأخطاء من الناحية "التنظيمية"، مع ضعف "الدعاية" التي سبقت التحرّك، حتى أنّ "إشاعاتٍ" كثيرة تمّ تداولها عن تحرّكٍ لـ"​التيار الوطني الحر​"، تأييداً لرئيس الجمهورية ​ميشال عون​، وجدت صدىً أكبر من الدعوات إلى التحرّك الاحتجاجيّ.
ومن الأخطاء التي ارتكبتها أيضاً المجموعات، والتي تتقاطع مع "الخطايا" التي أطاحت بحراك 2015، إصرارها على "تصنيف" الناس وفقاً لانتماءاتهم المفترضة، بدل الترحيب حتى بشباب الأحزاب، الذين تطالهم الأزمات تماماً كما تطال المستقلّين والمعارضين، علماً أنّ فئة المحازبين تبقى الشريحة الأكبر في المجتمع اللبنانيّ، وهو واقعٌ لا يجوز التنكّر له. أكثر من ذلك، يمكن أن يرتقي إلى مستوى "الخطيئة" التصرّف الذي مارسه بعض المنظّمين مع النائب ​بولا يعقوبيان​، ودفعها إلى الانسحاب من التحرّك، بدل الاستفادة من وجودها لإعطاء الحراك بعض الزخم الذي لا يزال مفقوداً، وهو ما سيكرّس غياب الكثير من المعارضين الحقيقيين، علماً أنّ الوجود في مجلس النواب لا يجوز أن يكون "تهمةً" تنزع صفة "المواطنية" عن أحد.

هواجس وأكثر!


برأي كثيرين، فإنّ "الأخطاء" التي ارتُكِبت في الحراك المدنيّ المستجدّ بدأت منذ الأسبوع الماضي، خصوصاً مع حصر التصويب المباشر على "العهد"، بمُعزَلٍ عن باقي المكوّنات الحكوميّة، وهو ما أصرّ عليه عددٌ من المنظّمين، حين نبذوا شعار "كلن يعني كلن" الذي يحمّل جميع القوى السياسية الموجودة في الحكومة مسؤوليّةً مشتركةً في وصول الأمور إلى ما وصلت إليه، وهو ما جعل الكثير من "رموز" المجتمع المدني يبتعدون طوعاً عن حراكٍ بات موجَّهاً ولم يعد يمثّلهم من قريب أو من بعيد.
ولعلّ هذا السلوك، الذي خلق سجالاً سياسياً وإعلامياً على مدار الأسبوع، أدّى بدوره إلى حالة "انكفاء"، خصوصاً مع ظهور "هواجس" بإمكان خروج الأمور عن السيطرة، في ضوء ما حُكي عن إعداد "التيار الوطني الحر" لتظاهرةٍ مضادّة، كان رئيس الجمهورية ميشال عون غمز من قناتها بقوله في تصريحات نُسبت إليه، إنّه سيدعو إلى التظاهر عند اللزوم. ومع أنّ "التيار" نفى رسمياً أن يكون حدّد يوم الأحد موعداً لمثل هذه التظاهرة، فإنّ انتشار "الإشاعات" حول هذا التحرّك بشكلٍ كبيرٍ، أدّى تلقائياً إلى ظهور مخاوف لدى كثيرين من الوقوع مجدّداً في فخّ "لعبة الشارع"، خصوصاً في ظلّ إدراك الجميع في لبنان أنّ لكلّ شارع شارعاً مضاداً، مع عدم جواز المقارنة بين شارعٍ "مدنيّ" وآخر "حزبيّ" أصلاً.
ولعلّ ما عزّز هذه الهواجس ما شهده العراق من تظاهرات وتحرّكات احتجاجية وضعها كثيرون في سياق المقارنة مع الحالة اللبنانية، نظراً لتشابه المقوّمات والأسباب، سواء في الاقتصاد أو حتى في السياسة. ولأنّ هذه الاحتجاجات خرجت في محطّاتٍ كثيرة عن السيطرة، ما أدّى إلى سقوط المئات من المتظاهرين العزل بين قتيل وجريح، فإنّ مخاوف برزت لدى البعض من أن ينجرّ لبنان نحو سيناريو شبيه، بفعل "طابور خامس" أو غيره، ولو كانت "الخصوصية اللبنانية" لا تشي بذلك، لاعتباراتٍ وحساباتٍ كثيرة، وهو ما أدّى أيضاً إلى "انكفاء" الكثيرين، وتفضيلهم الذهاب نحو "التهدئة"، خصوصاً في ظلّ الحديث عن "انفراجاتٍ" أدّت إلى فكّ العديد من الإضرابات التي كانت متوقّعة مطلع الأسبوع.

"الثورة" ضرورة؟!


ليس بمبالَغٍ به أبداً القول إنّ "الثورة" في لبنان باتت أكثر من ضرورة، ليس من اليوم، بل منذ سنواتٍ طويلةٍ، في ضوء تفاقم الوضع الاقتصادي والمعيشي سوءاً، وانتشار وباء الفساد وتفشّيه في مختلف أنحاء الجسم اللبنانيّ.
لكنّ الأكيد أنّ "الثورة" لا يمكن أن تقوم على مقياس التحرّكات المحدودة التي تشهدها ساحات الاعتصام بين الفينة والأخرى، تحرّكاتٌ بات يطلق كثيرون عليها من باب التندّر مصطلح "نزهة الأحد"، باعتبار أنّها تحوّلت إلى مجرّد نشاطٍ ترفيهيّ يُقام في عطلة نهاية الأسبوع، لتمضية الوقت الضائع.
ولعلّ اللافت أيضاً تحوّل هذه التحرّكات إلى ما يشبه البرنامج التلفزيوني الذي يضيء على بعض الحالات الاجتماعية الخاصة، طلباً للمساعدة، وهو أمرٌ، على أهميته، باعتبار أنّه يُظهر المأساة اللبنانية على حقيقتها، ومن مختلف مناحيها، يحرّف التحركات عن بوصلتها المطلوبة، سياسياً واقتصادياً.
"الثورة" ليست كذلك. هي ليست نزهةً في يوم العطلة، ولا مجرّد شعاراتٍ تُرفَع، ولا استعراضاتٍ بقيمةٍ أو من دونها. "الثورة" أكبر من كلّ ذلك، ويبدو أنّها لا تزال بعيدة كلّ البعد عن الواقع اللبنانيّ...