ينقسم ال​لبنان​يون في الموقف من ​ايران​، فشريحة منهم تعتبرها خطراً على وجود لبنان وتتهمها بمحاوة الهيمنة عليه من خلال ​حزب الله​ وحلفائه، وقسم يرى فيها السند القوي الداعم للبنان والمساعد على الحفاظ على سيادته واستقراره. ليست طهران هي المشكلة بالنسبة الى اللبنانيين، فانقسامهم السياسي يطال غالبية ​الدول العربية​ والغربية، ولكن المشكلة انتقلت الى خارج الحدود اللبنانية، وفي ذلك مصدر نعمة ونقمة في وقت واحد.
مصدر النقمة في الموضوع، يتمثل بتشديد ​الولايات المتحدة الاميركية​ عقوباتها الاقتصاديّة على حزب الله ومن يتعامل معه، وقلق من ان يتم اجتياز الخط الرفيع الفاصل بين سياسة الحزب وسياسة الحكومة، وهو يبدو حتى الآن ان الجميع -داخل لبنان وخارجه- حريص على عدم قطعه مخافة ان تتدهور الامور بطريقة دراماتيكية ويصعب بعدها حصر مفاعيلها، ليس فقط في حدود الـ10452 كلم2، انما على مستوى المنطقة ككل، في ظل كثرة اللاعبين الاقليميين والدوليين. نقمة اخرى، تتمثل في عدم تقبّل العديد من الدول العربية والاوروبية عدم اعتباره ايران عدواً، او زعزعة علاقته معها، وفي هذا السياق تطلق التحذيرات والتهديدات بأن الامور في لبنان تتجه نحو الاسوأ بفعل هذه العلاقة القائمة.
في المقابل، تشكّل ايران بالنسبة الى لبنان نعمة ومصدر خلاص من بعض الازمات، ولعل ابرز دليل على ذلك، اظهار الرغبة العربية والخليجية تحديداً، في"انقاذ اللبنانيين من محاولة ايران السيطرة عليه وعلى قراره"، وقد قرأ البعض في القرار السعودي السابق رفع الحظر عن سفر السعوديين الى بيروت، والقرار الاماراتي الحالي باتخاذ الخطوة نفسها اضافة الى تدابير اقتصاديّة وماليّة تنعش الوضع الاقتصادي، مؤشراً واضحاً على مثل هذه النيّة. ويعتبر هؤلاء ان هذه القرارات الايجابية بشكل مطلق، انما تهدف الى اظهار مدى جدية ال​دول الخليج​ية في منع سقوطه في احضان ايران، لتكون بالتالي الأخيرة منفذ الخلاص للبنان من حيث لا تدري...
ولكن، في نظرة الى واقع الامور حالياً، يمكن ملاحظة العديد من المعطيات المتضاربة، فالكلام يتنامى بشكل كبير عن تقارب سعودي-ايراني سيحصل في الفترة المقبلة، في ظل تراجع حدة الخطاب التهديدي بين الولايات المتحدة الاميركية وايران، ومحاولات اوروبية لتليين الموقف بينهما. هذه المؤشرات لن تمنع بطبيعة الحال بقاء القلق الخليجي من امكان استقطاب ايران للبنان بطريقة او بأخرى، ولكنها قد تخفف من زخم المساعدات، الاّ أنّها في المقابل، ستضيف حتماً بعض اجواء التهدئة من التشنجات السياسية الحاصلة، وتفسح في المجال بالتالي امام نجاح مساعي قسم من الاصلاحات المطلوبة. ومن الممكن ان تتحول المخاوف من الجمهوريّة الاسلامية، الى ترحيب بمشاركتها في تعزيز الاستقرار اللبناني، واعادة الامور الى ما كانت عليه قبل الخلاف الكبير مع دول الخليج وقبل انسحاب ​اميركا​ من ​الاتفاق النووي​.
على لبنان ان يستفيد فعلاً من وضعه الفريد، ويعرف كيف يوفّق بين قلق الخارج من دور ايران، وبين رغبته في الابقاء على علاقات طبيعية معها، فأي خلل في هذا الميزان من شأنه ان ينعكس سلباً على الوضع العام للبنانيين. ليس المطلوب الارتماء في الحضن الايراني، ولا ايضاً اعتبار طهران عدوة كرمى لعيون احد، كل ما عليه هو التحلي بالصبر الكافي وانتظار ما ستؤول اليه نتائج ​الاتصالات​ والمشاورات الجارية على صعيد المنطقة و​العالم​ لمعرفة الموقف النهائي الذي سيتجلى من النظرة الى الايرانيين، فهل سيبقى الخليجيون يعتبرونها عدواً، ام انهم سيتآلفون معها ويحصلون على ضمانات كافية تطمئنهم الى النوايا الايرانية تجاههم؟.