الحرائق​ التي ضربت ​لبنان​ خلال الساعات الماضية، ليست الأولى من نوعها، ويبدو أنّها لن تكون الأخيرة على ما يبدو! فما هي الأسباب لهذا "السيناريو" القاتم الذي يُلاحقنا كل عام، وهل من سبيل للمُعالجة؟.
لا شكّ أنّ عوامل طبيعيّة تقف وراء الكثير من الحرائق التي تضرب لبنان في فصل الصيف عادة، وأيضًا في بداية فصل الخريف في بعض الحالات. فبسبب إرتفاع الحرارة، وإنحباس الأمطار، وتمدّد بقع الأعشاب اليابسة، تُصبح الأرض جاهزة للحرائق بمُجرّد ترافق إندلاع أي نيران في أي مكان، مع هبوب هواء قوي. وبداية أيّ حريق يُمكن أن تكون ناجمة عن أشعة الشمس الحارقة مَعكوسة على عُبوة زجاجيّة مرميّة، أو من إهمال إطفاء فحم الشواء الذي يقيمه بعض الباحثين عن فسحة راحة طبيعيّة وسط الأحراج، أو من إحراق عشب يابس في أحد الحُقول بشكل غير مدروس وعشوائي، إلخ. وإضافة إلى الأسباب الناتجة من الإهمال وسوء التقدير، ينطلق أكثر من حريق في لبنان بشكل مُتعمّد، لأسباب تجاريّة وماليّة عادة، لجهة تمهيد الأجواء لقطع الأشجار اليابسة والإستفادة من حطبها، أو لجهة تسهيل الإستحصال على رخص بناء في أماكن مُعيّنة، إلخ. وفي الحرائق الأخيرة التي إجتاحت لبنان خلال الساعات الماضية، نتيجة إرتفاع غير طبيعي للحرارة في هذا التوقيت من السنة، وبفعل هبوب رياح قويّة هوجاء، بلغت "سيناريوهات" المُؤامرة التي يُجيدها اللبنانيّون، حدّ الحديث عن حرائق مُفتعلة ومُتعمّدة، لغايات سياسيّة، وتحديدًا لإظهار فشل السُلطة في إدارة الأزمات وفي القيام بأبسط واجباتها في حماية لبنان واللبنانيّين!.
وبغضّ النظر عن الأسباب، إنّ قُدرة لبنان على مُواجهة هذا الحجم الضخم من الحرائق غير مُمكنة، حيث إجتاح أكثر من مئة حريق مناطق لبنانيّة عدّة في آن واحد خلال الليل، الأمر الذي دفع السُلطات إلى طلب المُساعدة من بعض الدول المُجاورة مثل الأردنّ، اليونان وقبرص وغيرهم، لجهة الإستعانة بطائرات مُتخصّصة بإطفاء الحرائق. وهذا موضوع شائك آخر، فلبنان الذي تقضي الحرائق سنويًا على ما تبقّى من مساحات حرجيّة خضراء فيه، حاول في الماضي شراء طائرات مُتخصّصة بمُكافحة الحرائق، لكنّ بعض المُناكفات السياسيّة تسبّبت في إرجاء المسألة حتى العام 2009، عندما جرى شراء ثلاث طوافات "سيكوروسكي" من طراز S-70A بتمويل خاص من بعض ​الهيئات الإقتصادية​ و​المصارف​ و​رجال الأعمال​ والجمعيّات البيئيّة. لكنّ هذه الطوافات ما لبثت أن خرجت من الخدمة بعد ثلاث سنوات، بفعل عدم توفّر التمويل اللازم لصيانتها، بحجّة أنّها قديمة وكلفة هذه الصيانة باهظة! وإضافة إلى غياب الطائرات والطوّافات المُتخصّصة بإطفاء الحرائق، ليس بسرّ أنّ جهاز ​الدفاع المدني​ اللبناني يفتقر للعديد وللعتاد، حيث عانى على مدى سنوات من مُعارضة تثبيت المتطوّعين العاملين لصالحه، بحجّة عدم توفّر الأموال اللازمة لذلك، علمًا أنّ لبنان يحتاج لأفواج عدّة مُتفرّغة وغير تطوّعيّة من عناصر الدفاع المدني، مع ضرورة تزويدها بتجهيزات حديثة تتجاوز آليّات الإطفاء العادية، وذلك لمُواجهة أي نوع من الكوارث الطبيعيّة، وليس فقط الحرائق.
أكثر من ذلك، إنّ الحفاظ على الثروة الحرجيّة لا يقتصر على تعزيز وتجهيز قوى الدفاع المدني، بل يشمل تطوير أجهزة حماية الأحراج ومُراقبة الحرائق ومُكافحة التعدّيات على أنواعها داخل الغابات، وتنفيذ فواصل مُكوّنة من مساحات جرداء مُصطنعة ضُمن المناطق الحرجيّة، لا سيّما النائية منها، لمنع إمتداد أي حريق-في حال إندلاعه، والتمكّن بالتالي من حصره ضمن بقعة جغرافية مُحدّدة. ومن الضروري أيضًا، رفع مُستوى الوعي البيئي لدى المواطنين، عبر حملات إعلاميّة وتثقيفيّة وعبر جُهود بلديّة محليّة، وذلك لتقليل خطر إندلاع الحرائق إلى أدنى مُستوى مُمكن، وكذلك لجعل كل مواطن خفير على بلدته وبيئته، بحيث يتمّ الإبلاغ بشكل شبه فوري عند مُشاهدة أي بقعة نار أو دخان.
في الخُلاصة، الحجج اللبنانيّة جاهزة دائمًا: من إرتفاع الحرارة إلى الرياح الهوجاء، ومن إهمال المُواطنين إلى وجود مُؤامرات خلف الحرائق المُتعمدّة، ومن ضعف أجهزة مُكافحة الحرائق، عدّة وعديدًا، إلى وُجود عوائق مختلفة مثل الألغام وخطوط التوتّر العالي، إلخ. لكنّ طريق مُكافحة الحرائق، يبدأ بتنفيذ قانون العُقوبات بحزم ضُدّ كل من يتجرّأ على إشعال حريق عمدًا، أو حتى على التسبّب بإهماله بإندلاع النيران. وطريق مُكافحة الحرائق يمرّ بتأمين الأموال اللازمة لشراء المعدّات اللازمة لذلك، عبر خطة طويلة الأمد، وليس لبضع سنوات فقط، ولوّ إقتضى الأمر تنظيم حملة تبرّعات واسعة يُشارك فيها الجميع. والأكيد أنّ طريق مُكافحة الحرائق، يجب أن يشمل أيضًا مسألة إدراك حقيقة ما تجنيه أيدينا على أحراجنا وبيئتنا وعلى أولادنا والأجيال من بعدنا، بدلاً من التلهّي في تحويل مآسينا المُبكيّة حتى الصميم، إلى مناسبة لإطلاق النكات والضحك على إلقاء مواد مُكافحة الحرائق على عناصر الدفاع المدني عن طريق الخطأ! ويُمكن القول في الختام، تعدّدت أسباب الحرائق... وموت البيئة في لبنان واحد!.