منذ انطلاق التحركات الاحتجاجيّة في الشارع ال​لبنان​ي أصبح هواء ​وسائل الاعلام​ مفتوحا للناس، للتعبير عن مطالبهم وصرختهم، نقل ما يجري على الأرض من ​احتجاجات​، وصدامات واحداث من أقصى ​الجنوب​ الى أقصى ​الشمال​. وكما جرت العادة في لبنان، كان التباين واضحا بين المحطات التلفزيونيّة اللبنانيّة، حيث تُخضع كل محطة "التغطية" لسياستها الخاصة، فبدى الأمر في كثير من الاحيان وكأنّ الإعلام بات موجّها، ضد بعض رجال السلطة أو معهم.
اليوم بات المشهد مختلفا عمّا كان عليه في بداية التحركات، وغصّت ​وسائل التواصل الاجتماعي​ بمقاطع مصوّرة ومعلومات تتحدّث عن انحياز بعض الإعلام، وعمل المراسلين على توجيه المتظاهرين وفتح الهواء أمام التصريحات التي تخدم أهداف المحطّة، الأمر الذي أدّى في مناطق معيّنة الى طرد مراسلي قنوات خاصّة واتهامها بخلق "الفتن".
رغم الصورة الموجودة على وسائل التواصل والتي باتت تشكّل حديث الرأي العام، لا يزال نقيب المحررين ​جوزيف القصيفي​ مؤمنا بالتعددية والحرية في لبنان، ويشير في حديث لـ"النشرة" الى أنّ "صحافة لبنان مفتوحة، والقوانين التي ترعى هذه ​الصحافة​ وهذا الاعلام لا تزال تحتاج الى كثير من التنظيم لكي نصبح امام قانون ينظم أداء الاعلام من ضمن الثوابت الدستورية، التي تكرس ​حرية التعبير​ وابداء الراي والمواثيق الإعلاميّة الدوليّة التي تمنح الاعلامي هامشا واسعا من الحرية.
ويضيف القصيفي: "في المرحلة الحالية هناك إعلام على شاكلة الواقع في لبنان، متعاطف مع الانتفاضة الشعبية، وآخر يقاربها بحذر ويكتفي بقدر معين من ​الاخبار​، وكل ذلك يرتبط بالايقاع السياسي للأحزاب وما يمكن ان ينتج عنها"، مشيرا الى أن أحدا لا يستطيع أن يوجه الإعلام لأنه في المرحلة الراهنة عندما يكون هناك حراك شعبي واسع لا يمكن الطلب منه ان يكون موجها في هذا الاتجاه أو ذاك.
ويوصي القصيفي بأمرين اثنين، الاول الحرص على المصلحة اللبنانيّة العليا والوحدة الوطنية وعدم توغّل المراسلين في استخراج ما يفرّق بين المواطنين، وثانيا التزام الموضوعيّة في إيراد الحقائق كما هي، وعدم السماح بالفلتان اللفظي الذي يطاول كرامات الناس أيّا كانوا، رغم ان هذا الأمر خارج إطار السيطرة إذ من الصعب ترويض الهواء، ويجب على القيّمين والزملاء الميدانيين ان يكونوا على قدر واسع من الحذر. ويطلب القصيفي من كل الفرقاء السياسيين وجمهورهم عدم التعرض للصحافيين على خلفيات سياسية، مشددا ردّا على سؤال حول ما يُقال عن تمويل مجهول للنقل المباشر على وسائل الاعلام، على أنه "لا يمكن ان يكون هناك حراك بهذا الحجم من دون تغطية اعلاميّة مباشرة، ولا معلومات ولا معطيات لديّ حول تمويل، لذلك من الافضل عدم التعليق على شيء اجهله".

قد لا يختلف اثنان على وجود سياسات خاصة لكل الوسائل الاعلاميّة اللبنانيّة، ولكن لا يجب أن يختلف اثنان ايضا على ضرورة احترام الإعلاميين والتعامل معهم برقي واحترام، خصوصا أن أغلب العاملين على الأرض ليسوا هم من يقرروا ​سياسة​ محطّتهم، وبالتالي هم لبنانيون، وأقل الواجب هو حمايتهم والحفاظ على سلامتهم.
وكما يجب على الجميع احترام الإعلام والاعلاميين، وحماية المراسلين الذين يقومون بعملهم على الأرض، واجب الإعلام نقل الواقع، لا خَلقه وصناعته، نقل الحقيقة، لا اللعب على ما يختلف عليه الشعب، وبالتالي من يريد تغطية التحركات على الأرض عليه أن يفتح الهواء لكل الآراء، لا أن يساهم بتنمية خطاب الكراهيّة في النفوس، وعليه أن يوحّد الشعب حول مطالب اجتماعيّة محددة، لا تفرقتهم بسبب أهداف سياسية خاصة.