في اللحظة التي سيدعو فيها ​رئيس الجمهورية​ ​ميشال عون​ الى استشارات نيابية ملزمة، تكون صورة الحكومة وإسم رئيسها قد حُسما، وبالتالي لا تزال هذه الصورة ضبابية حتى اللحظة، رغم كل ما يُقال عن تركيبات حكوميّة جديدة تم التشاور بشأنها بين رئيس حكومة ​تصريف الأعمال​ ​سعد الحريري​ ورئيس التيار الوطني ​جبران باسيل​، فإن أحدا من القوى السياسية لا يريد التنازل لوحده.
لم يُعلن سعد الحريري استقالة حكومته لكي يعود في حكومة مماثلة، تقول مصادر مطلعة في تيار "المستقبل"، مشيرة الى أنّه استقال استجابة لمطالب الناس في الشارع، وهذه الحشود تحتاج لرؤية التغيير في أيّ حكومة مقبلة. وترى المصادر أن الحريري لا يتمسك ب​رئاسة الحكومة​، إنما يتمسك به الطرف الآخر لانه يُدرك مكانة الحريري دوليًّا، وبأنه الضامن لتحقيق الاستقرار النقدي، وإنقاذ الوضع الإقتصادي الصعب الذي يمر به ​لبنان​، والأهم بأنه صلة الوصل الوحيدة القادرة على ربط لبنان بالدول الخليجيّة والاوروبيّة والإدارة الاميركيّة بنفس الوقت، مشدّدة على أنّ كل هذه الصفات، إضافة الى التمثيل الشعبي الواسع للحريري، يجعلاه مرشحا طبيعيا لرئاسة أيّ حكومة مقبلة".
وتضيف المصادر عبر "النشرة": "من الطبيعي اذا أن يرفض الحريري ترؤس حكومة سياسية مشابهة للسابقة، بسبب رفض الناس لها وبسبب فشلها في إحداث أي تغيير وتحميل رئيس الحكومة نفسه مسؤولية الفشل، رغم كل ما عاناه الحريري في شارعه لانجاح الحكومة الماضية"، مشيرة الى أن هذا هو الاساس الذي ينطلق منه ​تيار المستقبل​ في المقاربة ​الجديدة​، مشددة على أن ​القاعدة​ هي ما يرضي الشارع الغاضب، الّذي قال كلمته بالنسبة لنوع الحكومة وأسماء الوزراء.
بالمقابل تقرأ مصادر سياسية ما يجري بين التيار "الوطني الحر" وتيار "المستقبل" بأنه يتعدى مسألة الحكومة الجديدة، ويصل الى ميزان القوى على الساحة اللبنانية، مشيرة الى أن رئيس حكومة تصريف الأعمال وجد بما يجري فرصة للخروج من سجن التسوية الرئاسيّة لتخفيف الضغوطات الداخليّة والخارجيّة عليه من جهة، ولتحسين شروطه في أيّ تسوية مقبلة من جهة ثانية، ولكنه بنفس الوقت لا يريد كسر الجرّة مع الوطني الحرّ، بل فقط إعادة التفاوض على شروط جديدة تُتيح للحريري "التحرر من القبضة التي كانت مفروضة عليه سابقا".
اما بالنسبة للوطني الحر فترى المصادر أن معركته اليوم لم تعد متعلقة بالعهد الرئاسي الحالي، إنما معركة استمرار توازن القوى التي أنتجتها ​الانتخابات​ النيابيّة الماضية وبقاء رئيس التيّار كمرشح بارز في أيّ استحقاق رئاسي مقبل. وتضيف المصادر: "كان معلوما أن رئيس حزب ​القوات​ ​سمير جعجع​ سيخرج من الحكومة السابقة ليعلن المعارضة ويخوض معاركه السياسية، ولكن التوقعات والمؤشرات كانت توحي بإمكانية اتخاذ هذه الخطوة قبل عام ونصف فقط من انتهاء الولاية الرئاسية"، مشيرة الى أن ​انفجار​ الشارع سرّع بمخطط جعجع فخرج من الحكومة وصوّب باتجاه واحد هو باسيل، وتمكن من خلال الشارع جعل وزير الخارجية بحكومة تصريف الأعمال "إسما مستفزا" في أي تشكيلة حكومية مقبلة، والهدف بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون سوى تهشيم صورة باسيل شعبيا تمهيدا لتهميشها رئاسيا.
من خلال هذا الواقع يجد باسيل صعوبة في ترك الحكومة، لا لأنه يرغب بالمنصب الوزاري، ولكن بسبب اعتبار خروجه من حكومة سياسيّة او شبه سياسيّة انتصارا لرئيس حزب القوات من جهة، وانتصارا للقوى المحليّة والخارجيّة الراغبة بضرب قوّة العهد سياسيا وتحالفه الوثيق مع ​حزب الله​، ولذلك فلن يكون هذا الخروج مجانيًّا ولا سهلاّ، بل من الممكن أن يحصل من خلال تشكيلة حكوميّة ستكون الاولى من نوعها في لبنان، كاشفة أن المعلوم حتى ​الساعة​ أن هكذا حكومة لا يجب أن تكون برئاسة سعد الحريري، كون ما يسري على الوزراء السياسيين يسري على رئيس الحكومة الذي يُعتبر "الوزير الاول" في الحكومة، والعكس.
أما بالنسبة لحزب الله فهو يُدرك أن استغلال ما يجري بالشارع في ​السياسة​ يهدف لضرب نتائج الانتخابات النيابيّة الأخيرة، واستكمال الضغوطات الأميركية عليه، وما تصريحات وزير الخارجية الاميركي ​مايك بومبيو​ الا تأكيدا لهذا المسار، الذي يأتي بعد محاولة سابقة إبان مرحلة تشكيل حكومة العهد الأولى، ولذلك فلا يمكن التعاطي مع المظاهرات بمعزل عن تأثيراتها السياسية، ولا يمكن السماح لخصوم الحزب بتحقيق نتائج سياسية من هذا الحجم عبر ركوب موجة الشارع، وبنفس الوقت لا يمكن الاستمرار وكأنّ الشارع لم يتحرك لانّ مطالبه محقّة.
ومن هنا تُفسّر المصادر السياسيّة تمسّك حزب الله بوجود باسيل بالحكومة قبل استقالتها، والتمسّك بالطروحات الحكوميّة الجديدة التي لا تقدّم لخصوم الوطني الحر وحزب الله أي انتصارات سياسيّة، مشيرة إلى أن "الحراك" أصبح امرا واقعا، وكل فريق سياسي يحاول استغلاله سياسيا لمصلحته، مع تأكيد الحزب على ضرورة تغيير النهج القائم حاليا، فهل نشهد حكومة قريبا، أم أن الكلام عن عدم استعجال المعنيين بتشكيلها أصبح حقيقة؟!.