حضرة رئيس ​جمعية المصارف​ المحترم، اسمح لنا بكل صدقٍ أن نطرح عليك السؤال الآتي:
لقد أقفلتم المصارف ردّاً على تصرفاتٍ قام بها نحو 300 مواطن، من هذا الشعب ال​لبنان​ي الأصيل، المحروقين للحصول على الليرة لشراء الحاجات لأولادهم أو لدفع أقساطهم في الخارج. وبعض هؤلاء عمد إلى الصراخ للتعبير عن الحرقة والاحتقان اللذين يعتملان في داخلهم…
ولكن، هل أقفلتم المصارف يوماً للانتفاض في وجهِ 300 فاسدٍ ومرتشٍ وهادرٍ وناهبٍ ومتعهد وبائعٍ لضميره؟
هل أقفلتموها احتجاجاً على روائح ​النفايات​، ونفايات ​الفساد​ والفاسدين والمفسدين في كل القطاعات والتنفيعات في ​الدولة​ اينما كان، والذين مرَّروا أموالهم كلها بأمان وسلام على مدى سنوات وسنوات؟
عظيمةٌ وجميلةٌ هذه الاستفاقةُ على العنفوان الشخصي و"البهدلة" التي تعرَّض لها موظفو المصارف الأحباء، الذين هم أيضاً من نسيج هذا الشعب المظلوم، ولكن، ماذا عن "البهدلة" التي يتعرَّض لها 4 ملايين مواطن بسبب إقفال المصارف؟
***
الشعب اللبناني​ ذكيّ وواعٍ، وهو يعرف مَن هو الأمين والوفّي للرسالة المصرفية ببعديها المهني والوطني.
الشعب يعرف أن في هذا القطاع وجوهاً مشرقةً حققت الإنجازات التي بها نرفع جبيننا، ومنها رئيس مجلس الإدارة في ​بنك عودة​ سمير حنا، هذا الرجل الشجاع وصاحب العقل الخلّاق القادر على اتخاذ القرارات الحكيمة في أقصى الدقّة والبراعة.
لقد عرف المتواضع سمير حنا كيف يواكب الاستحقاقات الداهمة في ​القطاع المصرفي​ من خلال ابتكار هيئةٍ داخل المصرف تتولّى العمليات للمودعين الذين يحتاجون إلى السحبِ من أجل دفع الأقساط الدراسية في الخارج، بعشرات الآلاف من الدولارات. ويتم التحويل مباشرة إلى الجامعة المعنية.
وهكذا، فقد استطاع هذا المصرفي الحكيم أن يوفّق ما بين حقوق المودع من جهة، والمسؤولية الوطنية في الحفاظ على النقد الوطني من جهة أخرى. فألفُ تحيةٍ له وللمصرفي والخبير الاقتصادي الصديق رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي ل​بنك الموارد​ مروان خيرالدين، و"كتَّر الله من أمثالكم" وهم كُثر.
***
في العودة إلى قرار الإقفال، فإن الشعب حاول أن يفهم التبريرات في الإطلالة الأخيرة لرئيس جمعية المصارف، ولكن عبثاً… مع أن الأمور ليست صعبة، ولا تحتاج إلى التخصص في المجال المصرفي ليتم إدراكها.
بكل بساطة نقول: على مدى 15 عاماً من الحرب الأهلية وحرب الآخرين على لبنان، بين 1975 و1990 بقيت المصارف تعمل كالمعتاد.
وفي ​حرب تموز 2006​، دمَّر العدو الإسرائيلي كثيراً من المرافق الحيوية، لكن شرايين المصارف بقيت تضخّ الدم إلى الجسد اللبناني.
فهل يمكن للرئيس القيم، أو حسب الاسم المحبب اليه رئيس جمعية المصارف أن يشرح لنا لماذا تتوقف المصارف عن العمل؟
وماذا يعني أنكم تفكرون في استمرار الإقفال إلى أن تهدأ الأمور وتستقرّ الأسواق؟
سقى الله زمن الصديق الدكتور جوزف طربيه وحكمته في إدارة جمعية المصارف.
***
هل يعني ذلك مثلاً أنكم تريدون انتظار الحكومة والحلّ السياسي؟
من كل قلبنا، نتمنى انجاز الاستشارات المُلزمة وولادة الحكومة التي هي وجه الانتفاضة الشعبية الواعدة. ولكن، فلنفترض أن الأمور اتجهت إلى المراوحة، لأسابيع إضافية أو لأشهر، فكيف سيعيش الشعب بأسره، وكيف يؤمّن العلم ولقمة العيش لأولاده وثمن الدواء؟
ولن يسكت الشعب اللبناني على حيتان المال، وهو يعرف أنهم احتجزوا في صناديقهم فلس الأرملة وجنى العمر، فيما هم سحبوا ما يريدون "على السكْت"، وأخفوه في الخارج، غير عابئين بأن المصلحة الوطنية تقتضي الحفاظ على كل قرشٍ في مصارفنا الوطنية.
فويلٌ لهؤلاء أمام محكمة التاريخ والضمير…
***
هل تعرفون يا رئيس جمعية المصارف أنكم بهذا السلوك تدفعون الشعب إلى المزيد من الاحتقان؟
في الشهر المنصرم، تقاضى الكثير من اللبنانيين نصف راتب. وأما الشهر المقبل، فعلى الأرجح ستكون الرواتب كلها محاطة بالشكوك.
فهل تعرفون ما معنى أن يكون مليون مواطن أو مليونان بلا رواتب لأسابيع وأشهر؟
فكِّروا فيها جيداً إذا كانت العنجهية ما زالت تسمح لكم بالاستماع إلى شعب لبنان الثائر؟
***
أيضاً، وبما أن كل شيء في البلد بات معروفاً، فلنقلها بصراحة: إذا كان أحد المصارف يشارف على التعثُّر، فإن حاكم ​مصرف لبنان​ ​رياض سلامة​ هو الخبير الأفضل لمعالجة هذه المسألة.
وقد قالها الحاكم بوضوح، ووضع مصرف لبنان في خدمة المصارف الخاصة لكي تدعم ملاءتها، ضمن فائدة الـ20%. وهذه فرصة لا يجوز تفويتها.
وسبق أن نفَّذ الدكتور سلامة عمليات دمجٍ بين المصارف جاءت نتائجها مثالية. فلماذا لا يتم الإقدام بشجاعة على حلٍّ من هذا النوع ما زال متوفراً، وقبل فوات الأوان؟
إن الطرق الملتوية لن توصل إلى نتيجة، بل ستزيد الأمور تعقيداً. فلنذهب إلى الصراحة والجرأة. والوقت لم يعد يسمح بالتعتيم والمماطلة، ولو لدقيقة واحدة.
فبين الدقيقة والدقيقة، يمكن أن تحصل مفاجآت لا أحد يرغب فيها أو يتحمّل عواقبها!
***
القطاع المصرفي هو أمانة المدخرات التي كلفت الشعب الأصيل كثيراً وكثيراً من العرق والدم والتعب. ولذلك، هو سيحميه بعيونه. ولا يجوز أن يستغلّ أحد بعض مظاهر التوتر الفردية، في بعض الفروع، ليصوِّر الوضع وكأنه كارثة تستأهل الإقفال.
والشعب اللبناني الأصيل والذكي هو الضمانة الحقيقية للقطاع المصرفي. وهؤلاء ​الشباب​ والشابات المثقفون والمتنوّرون سيحمون المصارف بعيونهم ولن يسمحوا لأحد بالتعرّض لها… خصوصاً إذا بادلتهم المصارف بالمثل…
***
بهذه الطريقة يتكامل شعب الانتفاضة وقطاع المصارف ويصبحان واحداً.
فالانتفاضة لا يمكنها الاستمرار بلا مصارف، هذا مؤكد.
وكذلك، لا يمكنكم أن تعيشوا في الأبراج العاجية وتنظروا إلى الشعب اللبناني من فوق… فلا أحد يمكن أن يبقى "فوق"، رغماً عن إرادة الشعب الثائر!
راجعوا التاريخ… ومَن له أذنان سامعتان فليسمع!