يوماً بعد يوم، تتعمّق ​الأزمة​ ال​لبنان​ية أكثر فأكثر، على وقع "الجنون" الذي يشهده الشارع، والذي ينذر بالخطر الآتي، مع استمرار ​الاحتجاجات​ المناوئة لأحزاب وقوى ​السلطة​، وظهور بوادر ردود فعل بطابعٍ عنفيّ قد تتّسع دائرتها لتخرج عن السيطرة تدريجياً.

وبالموازاة، يبقى الجمود السياسيّ عنوان المرحلة، في ضوء غياب التوافق على شكل ​الحكومة​ الانتقاليّة، وبالتالي هويّة رئيسها، وفي ظلّ تفاقم الصراع بين مكوّنات ​التسوية الرئاسية​ السابقة، ما يجعل ​الاستشارات النيابية​ الملزمة معلّقة حتى إشعارٍ آخر.
ولأنّ الانتخابات المبكرة هي في المبدأ مَخرَجٌ تلجأ إليه الدول المتقدّمة لمواجهة الأزمات التي تعصف بها، خصوصاً لجهة عدم القدرة على تشكيل حكومة، ثمّة من بدأ يطرحها كحلّ من شأنه إنهاء صدام "الشوارع المضادة" الذي بدأ يلوح في الأفق.
ولكن، هل يمكن لمثل هذا السيناريو أن يبصر النور في هذه الظروف؟ هل تكون الانتخابات المبكرة حلاً للأزمة، أم تكون على العكس من ذلك، فرصةً لإضفاء المزيد من التعقيدات عليها؟.

الانتخابات... "الفيصل"


قد يكون مجرّد طرح فكرة الانتخابات المبكرة مثيراً للجدل في لبنان، خصوصاً أنّ ​القاعدة​ على مدى السنوات الماضية كانت معاكسة، إذ يفضّل "ممثلو الشعب" ابتداع قوانين تتيح تمديد ولايتهم، لا تقصيرها، وهو ما أقدموا عليه فعلاً أكثر من مرّة بين العامين ٢٠٠٩ و٢٠١٨، بذريعة "الظروف ​القاهرة​" التي كان لبنان يمرّ بها.
وإذا كانت مثل هذه الذريعة تنطبق على الحالة اللبنانية اليوم أكثر من السابق، باعتبار أنّ أحداً لا يستطيع التكهّن بمآل الأزمة المتفاقمة، بعدما أصبح "المجهول" الذي لطالما حذر منه ​اللبنانيون​ أقرب من أيّ وقتٍ مضى، فإنّ البعض يعتقد أنّ مثل هذه "الظروف القاهرة" تحتّم إجراء انتخاباتٍ سريعاً، لا تأجيلها أو إلغاءها.
وينطلق أصحاب هذا الرأي من أنّ الانتخابات وحدها يمكن أن تكون "الفيصل"، باعتبار أنّ الاحتكام إلى رأي الشعب عبر صناديق الاقتراع من شأنه أن يُرضي الجميع، فهو من جهة يعني انصياع السلطات إلى ​صوت الشعب​ وعدم تجاهله، ومن جهة ثانية يعني إجهاض كلّ ما يُحكى عن "انقلاب" و"مؤامرة"، من خلال الالتزام بالعملية الديمقراطية، شرط تعهّد كلّ الأطراف سلفاً بقبول نتائجها، وعدم الانقلاب عليها في أقرب فرصة، علماً أنّ ثمّة بين جماهير الأحزاب من يدفع عملياً نحو هذا السيناريو، لاعتقادهم بأنّ النتيجة ستكون "كاسحة" لصالحهم بما ينهي كلّ "التشويش" الحاصل حالياً.
بالنسبة إلى هؤلاء، فإنّ الانتخابات وحدها كفيلة بتحديد ما إذا كان الحراك الشعبيّ قد أفرز فعلاً قياداتٍ جديدةٍ قادرة على تمثيل الشارع، وقد أصبح له الحيثيّة التمثيليّة التي يفترضها المتظاهرون ضدّ قوى السلطة، أو ما إذا كان ما يحصل مجرّد "موجة" يتمّ تضخيمها بدفعٍ داخليّ أو خارجيّ، وبالتالي ما إذا كانت قوى السلطة لا تزال تحظى بالثقل التمثيليّ نفسه، خصوصاً أنّ الأحزاب تؤكد قدرتها على الحشد في مواجهة الشارع المتظاهر، ولكنّها تحاذر ذلك منعاً لأيّ اصطدامٍ ليس التوقيت ملائماً له.

أيّ قانون؟!


لكن، وبعيداً عن المبدأ، ثمّة الكثير من علامات الاستفهام التي تُطرَح حول القدرات "اللوجستية" على إجراء مثل هذه الانتخابات اليوم، بعيداً عن "استعراضات" كلّ فريق، واعتقاده أنّ أيّ معركةٍ انتخابيّةٍ، كيفما جرت، ستصبّ لصالحه في نهاية المطاف.
فعلى أساس أيّ قانون انتخابيّ ستجرى الانتخابات اليوم؟ هل تنظَّم على أساس ​قانون الانتخابات​ النسبيّ مع الصوت التفضيليّ، الذي يعتبر كثيرون أنّه يحمل نَفَساً طائفياً، بل فُصّل على قياس القوى السياسية النافذة اليوم؟ وماذا عن رغبة بعض القوى بالعودة إلى ​قانون الستين​ الأكثري الذائع الصيت، والذي يمكن اعتباره "متخلّفاً" في زمن "​الثورة​ والتغيير"؟!.
وإذا كانت كلّ هذه القوانين منبثقة من مرحلة وجب "تغييرها"، فهل من قانونٍ انتخابيّ يتوافق حوله، أو حول معاييره بالحد الأدنى، متظاهرو الحراك الشعبيّ أصلاً قبل قوى السلطة؟ هل يقبل هؤلاء مثلاً بالقانون النسبيّ الذي يعتبر لبنان دائرة انتخابيّة واحدة، والذي يصنّفه الخبراء على أنّه من أفضل الأنظمة الانتخابيّة عالمياً؟ ألم تخرج بين المتظاهرين أصواتٌ ترفضمثل هذا القانون، انطلاقاً من الاعتبارات والهواجس المذهبية والطائفية المعروفة، التي لا تزال موجودة، ولو ادّعى الجميع نبذها؟!.
وأبعد من ذلك، ومع إدراك أنّ إقرار القانون الانتخابيّ عملية معقّدة لا تتمّ بين ليلةٍ وضُحاها، وأنّها مسؤولية المؤسسات المعطَّلة اليوم عن العمل، من البرلمان إلى الحكومة، ثمّة من يسأل عمّا إذا كان الحراك أصلاً بات جاهزاً لخوض انتخاباتٍ، بمُعزَلٍ عن شكل القانون الذي ستتمّ على أساسه، خصوصاً أنّ معظم الدول التي شهدت "ثورات" حقيقيّة، لجأت إلى فترات "انتقالية" استمرّت أشهراً، قبل إجراء أيّ انتخاباتٍ. وقد تكون التجربة التونسية نموذجاً في هذا السياق، فضلاً عن التجربة التي تعيشها ​الجزائر​ اليوم، حيث "يثور" الشعب على خطة السلطة إجراء انتخابات رئاسية الشهر المقبل.

الحكومة أولاً...


عموماً، وبعيداً عن الظاهر، يمكن القول إنّ الانتخابات المبكرة اليوم ليست الحلّ، وإنّ ترتيب الأولويات يقتضي البحث عن "مَخارِج" أخرى، تبدأ من الإسراع في تشكيل حكومةٍ انتقاليّةٍ، يمكن أن يكون من مهامها الإعداد لانتخاباتٍ نيابيّةٍ، بموجب قانونٍ انتخابيّ جديد، وذلك خلال مدّةٍ محدَّدة.
ولعلّ ما يعزّز هذه "الفرضيّة" أنّ التوافق على إجراء هذه الانتخابات لا يزال مُستبعَداً حتى إشعارٍ آخر، خصوصاً من جانب القوى التي تعتبر ما يحصل اليوم "انقلاباً" على نتائج الانتخابات الأخيرة، بما يشكّل "سابقة" غير محمودة النتائج، وإن كانت تؤكد أنّ أيّ انتخاباتٍ جديدةٍ اليوم ستعيد "استنساخ" البرلمان بشكلٍ أو بآخر.
وفي كلّ الأحوال، فإنّ الانتخابات المبكرة، وإن شكّلت برأي كثيرين "الفيصل" بين "الشوارع المضادة" التي بدأ التلويح بها، من شأنها زيادة الأزمة تعقيداً، خصوصاً أنّ الأزمة الحقيقيّة في مكانٍ آخر، وتحديداً على مستوى الواقع الاقتصاديّ الذي تشهده البلاد، والذي يتطلّب إجراءاتٍ ملموسة سريعة، لتفادي "الانهيار" الذي لن ينفع بعده الندم...