استميحوني عُذراً لو استَعرتُ شعاراً يَخصُّ ما يُدعى ب​الثورة​، لأنْ أستهِلَّ به ما يُخالج قلبي، ويدورُ في فَلَك ذِهني، علَّ الكلمات مَع فَقرِ مَعانيها، تسعى ولو قليلاً أن تُتَرجم المشاعر أفكاراً فتَنقُلَها بأمانةٍ ووُضوح.

فمِن ظُلمةِ عالمِ اليوم، ومِن شَقاءِ أبنائه وحُزنِهم، ومِن ضَياعِ إنسانِه في يمِّ تجاذُباتِ الواقِعِ، سَعياً وَراء لُقمةِ عيشٍ، طَالما تكبَّد الأمرَّين للحصولِ على بعضٍ مِنها، فتحوَّلَتْ الى هَمِّه اليَومي، ومَطلبَه الأوّل لحياةٍ كريمةٍ، جُلَّ ما يَبتَغيه مِنها، بَعضاً من إحترامٍ وحَقّاً مِن إنسانيّة.
وأتساءلُ، عن أعظَمِ ثَورةٍ في تاريخِ البشريّةِ، وأمدَّها أجَلاً. أليسَتْ ثَورةُ ​الميلاد​؟ حيثُ انقلبَت المقاييسُ، وتبدَّلَت المفاهيمُ، لا بَل توَضَّحَت. لِقاءُ السماءِ بالأرضِ، لقاءُ الخالقِ بالمخلوقِ، لقاءُ اللهِ بالإنسان. لقاءُ سَرمَديّةِ الزَّمنِ بِملئهِ، لقاءُ اللهِ المُتعالي في طَبيعتِهِ، والمُحبِّ في جوهرِهِ، لقاءُ اللهِ المتأنّسِ. تَجسَّدَ مِن البتولِ مريم تواضُعاً لِيَرفع الإنسانَ مِن كَبْوَتِهِ حبّاً، ويُعيدَ إليه نقاءَ الملكوت. ثورةٌ لَن تَخمُد نارُ قلبِ مُشْعِلِها، إلى أنْ تَصحو مِنّا الضَمائر، وَيَحدُثَ التَغيير. والتغييرُ التي تَبتَغيه هذه الثورة، هو تغييرُ المَفهومِ الخاطئ للحياة، وتَصويبُ مَعناها. فاللهُ حَضَر بيننا بالجسدِ، وفي حضورِه الجوابُ الأكيدُ على الأسئلةِ المُتعلّقةِ بِمعنى حياتِنا: مَن أنا؟ مِن أين أتَيْت؟ لِماذا وُلِدْت في هذا الوقت؟ لماذا أُحِب؟ لماذا أُعاني؟ لماذا سأموت؟ وللإجابة على هذه الأسئلة، صارَ اللهُ إنسانًا (الرسالة البابويّة عن معنى المغارة). ثورةٌ تَتطلَّبُ التَغيير في قلوبِنا، قَبل أفعالِنا، وبِالتأكيدِ قَبلَ كلماتٍ تَفرغُ مِن المَعنى عِندما نُطلِقُها شعاراتٍ وَهيَ أبعدُ مِن الواقعِ عَن حَاجةِ الإنسانِ الحقيقيّة. ثورةُ الميلادِ بدأَتْ مُنذُ ألفَي عامِ وأكثر، ولا زالَ صَداها يَتردَّد في حنايا القلوبِ وخَلَجَاتِها. ثورةٌ تُنشدُ التواضع عُنواناً لِتهدِمَ به أسوارَ المُتكبّرين والمُتجبّرين، ثورةٌ تُغنّي الحبَّ شِعاراً يُشعل نارَها في القلوبِ الباردة، فتُزيلُ الكُرْهَ والبَغْضَاء فَتَنثُرُ في بَساتين أيّامِنا بُذورَ الإلفَةِ والإخاء. ثورةٌ على الخَطيئة المُتربِّصة بِنا، فإنْ كانَت الخطيئةُ غيّرَتْ كيانَنا، وبدّلَتْ حقيقتَنا، فَها ثورةُ الميلادِ، تُحرّرُنا مِن تلك السلاسِل والقيودِ التي تَستَعبدنا، مانحةً إيّانا نعمةَ الخلاص.
ثورةٌ يُقدِّم فيها الله لنا ذاتَه بِصورة طفلٍ، نَحمِلُه بين أذرُعنا. تحت مظاهرِ الضَعف والهَشاشة، تَختَفي قوّتُه، فهو خالق كلِّ شيئ، ومبدّل كلِّ شيئ. وهُناك في ​بيت لحم​، وَلدَت مريم ابنَها البِكرَ وهو بِكرُ كلِّ خليقةٍ، فقَمَّطَتْه بما تَيسَّر لها من أقمشةٍ دلالةَ الفقرِ يصرُخ في وَجهِ التملُّك والإستغناء، وأضجَعَتْه في مِزوَدٍ قمّة للتواضع، لأنَّه لَمْ يكُن لَهُما مَوضِعٌ في مَضافةِ الإنسانِ التي تَعُمُّ بالكراهيَّة وتعُجُّ بالماديّة. وهكذا "أضحى تبنُ مَعلَفِ الحَيَوان أوَّلَ مِزودٍ لِمَن سَيَقولُ عَن نفسِه إنَّه الخُبزُ النازلُ مِنَ السماءِ" كَما يُشير ​البابا فرنسيس​ مِن غْريْتْشو مَوضِع التَجسيدِ الأوَّل للمغارةِ كَما أرادَه القديس فرنسيس الأسيزي.
"هلُمَّ بِنا إِلى بَيتَ لَحم، فَنَرَى ما حَدَثَ، ذاكَ الَّذي أَخبَرَنا بِه الرَّبّ"(لو 2، 15): هذا ما قاله الرُعاة بعدَ بِشارة الملائكة. ولكن لا تزالُ الطريقُ إلى بيت لحم غيرَ مُعَبّدة، تَعتَريها المَضايقُ والحَواجِز، كي لا نتوقَّفُ بالوصْفِ على أسوارٍ بَنَتْها أيدي التَفرقَةِ والحِقدِ، وجبالٌ ووِديانٌ، لَن يُسويّ قِمَمَها، ويَردُم أغْوارَها، سِوى مِقياسَين مِن مَقايِيس ثَورتِنا: المحبَّةُ والتَواضُع. مغارةُ البَساطةِ والفَقرِ، تَقِفُ صامدةً أمامَ قُصورِ الغِنى والتَزَمُّت.
نَعَم ها هي ثَورةُ الميلادِ فِينا، وفي كلِّ إنسانٍ، إنَّها ثورةُ الإنسانيَّةِ جَمعاءَ، لِلتَغيير نَحوَ المُصالحةِ والحبِّ، نحو كلِّ ما هو حَقيقي في حَياتِنا، وللإبتعادِ عَن كلِّ زائفٍ، ومِن هُنا شُموليَّتُها، ومِن هنا دَوامُها حتى إندِحارِ الشرَّ وسيادةِ ​السلام​.
فأينَ منّي تِلكَ الثَورةُ تَصرخُ التَغييرَ: كِلُّن يِعني كِلُّن.