ما عادت "مُسكِّنات" حاكم مصرف ​لبنان​ ​رياض سلامة​، تكبح جماح ارتفاع الدُّولار لدى الصَّيارفة في الأَسواق اللُّبنانيَّة، ولا هي أَشاعت جوًّا من الارتياح في السُّوق الماليَّة، ولا حتَّى تسبَّبت ببصيص أَملٍ في النَّفق الاقتصاديِّ المُظلم... وحتَّى "التَّطمينات" الَّتي أَطلقها الحاكم في شأْن حفظ حُقوق صغار المُودعين في ​المصارف​ اللُّبنانيَّة لم تنطلِ عليهم.

فبعد الإِطلالة التِّلفزيونيَّة للحاكم الخميس الماضي، تابع الدُّولار صعوده الصَّاروخيَّ، في الأَيَّام التَّالية، غير آبهٍ بوعود الحاكم المُتلفزة، وتشخيصه للوضع النَّقديِّ في البلاد، حتَّى أَنَّ أَحد المُواطنين–وهو تاجرٌ وصاحب متجرٍ لبيع الأَجهزة الخلويَّة و"تشريج" الخُطوط الهاتفيَّة المُسبقة الدَّفع قال لي مُعلِّقًا على الإِطلالة الأَخيرة لحاكم ​مصرف لبنان​: "​الحياة​ زهريَّةٌ عنده" (La vie en rose)...
هكذا إذًا تلقَّف الشَّارع المكويُّ بنار الغلاء المُستشري وفقدان بعض السِّلع والموادِّ الطُّبيَّة، كلام الحاكم سلامة، والَّذي لا يمكن حُكمًا ومنطقيًّا، تحميله كُلَّ المسؤوليَّة في ما آل إِليه الوضع النَّقديُّ في لبنان. وإِذا كانت من مسؤوليَّة للحاكم، فعلى السُّلطة السِّياسيَّة أَنْ تتدخَّل لتُعيد الأُمور إِلى نصابها، إِلاَّ إِذا كان بعضُها مُتورِّطًا مع حاكميَّة مصرف لبنان... وإلاَّ فما عاد في مقدور أَحدٍ أَن يُغطِّي أَحدًا، في ظُلِّ الشَّارع المحموم، والدَّاعي إِلى مزيدٍ من التَّصعيد في الأَيَّام المُقبلة!.
كما ويُسجَّل لسلامة أَنَّه حذَّر المسؤُولين من التَّمادي في الإِنفاق، ومن تخطِّي أَرقام المُوازنة، علمًا أَنَّ التَّلزيمات تقع على عاتق هؤُلاء، وهم مَن يُبالغون في الأَرقام، وهُنا ندخل في لُبِّ ​منظومة​ ​الفساد​ الَّتي ندفع اليوم جميعًا فاتورتها الباهظة...



مُؤتمر 11 تشرين الثَّاني



وإِذا ما عدنا إِلى المُؤتمر الصِّحافيِّ الَّذي كان عقده سلامة في 11 تشرين الثَّاني الماضي، وأَعلن خلاله "أَنَّنا أَمام مرحلةٍ جديدةٍ، سنُحافظ فيها على سعر صرف اللِّيرة"، وأَضاف أَنَّ "المصارف تتعاطى بالسِّعر الَّذي أَعلنه مصرف لبنان"، فلا بدَّ من أَن نلحظ عجزًا في كبح جماح ارتفاع العُملة الخضراء... وأَمَّا في حديث سلامة وقتها عن "الإمكانات المُتوافرة" (للحفاظ على سعر صرف اللِّيرة)، فإِنَّ تلك الإِمكانات يظهر اليوم عُقمها!...
لقد نجح سلامة وقتها في طمأَنة النَّاس إِلى أَن لا خطر على ودائِعهم، وأَنَّها مضمونة، على رُغم تقليص المصارف حينها التَّداول بالدُّولار، ووقف حركة الشِّيكات، غير أَنَّ الحاكم لم ينجح في إِطلالته المُتلفزة الأَخيرة في طمأَنة أحدٍ... ولَكأَنَّ أَسهُمه شهدت تراجُعًا لافتًا للغاية!.
وعليه، فلا ضمانة أَكيدةٌ لناحية حماية المُودعين والودائِع، وإِن كان يُؤْمل الكثير، في حكمة رئيس الجُمهوريَّة العماد ​ميشال عون​، لمُتابعة هذا الملفِّ الماليِّ الشَّائِك، علمًا أَنَّ في الإِمكان الآن، إِعادة تصويب الأُمور، قبل ازدياد الشُّكوك، في تحميل المُودِعين الخسائر، أَو أَن تعمد المصارِف إِلى الاقتطاع من الودائع، أَو أَن يتعثَّر بعض المصارف...



حقُّ المعرفة


وكذلك، فمن حقِّ النَّاس معرفة مصير الأَرباح جرَّاء "الهندسة الماليَّة" الَّتي قام بها سلامة، والَّتي قيل إِنَّها أَسفرت عن أَرباحٍ للمصارف بقيمة 5 مليار ​دولار​، وكيف أَبدى الحاكم استعداده لتزويد المصارف بالدُّولار شرط عدم تحويله إِلى الخارج، ولماذا حوَّل بعض المصارف أَموال كبار مودعيه إِلى الخارج، فيما هذه المصارف لا تستخدم أَموالها في الخارج وتُريد الإِفادة من المبالغ الموجودة لدى مصرف لبنان.



الطَّريق إِلى الحلّ


وفي المُحصِّلة فإِنَّ حاكم مصرف لبنان، يبقى عاجزًا عن الإِتيان بِحلٍّ سحريٍّ، فيما التَّخبُّط السِّياسيُّ في البلد على أَشدِّه. وبالتَّالي فللولوج إِلى الحلِّ، لا بُدَّ أَوَّلاً من تشكيل ​حكومة​ إنقاذٍ، تُعيد الثِّقة بِلبنان، وبِالتَّالي يُعاد الدَّعم الدَّوليُّ له، ومِن ثَمَّ يحين وقت الشُّروع بالإِصلاحات العاجلة، وفي مُوازاتها تُستَكمَل خُطوات التَّنقيب عن النَّفط، ويُضبط الإِهدار ومزاريبه، ويُكافَح الفساد في كُلِّ أَشكاله، قبل أَن يقضي سرطانه المُستشري على ما تبقَّى من جسم الوطن الهزيل والسَّقيم!...
يبقى أَنَّ شباب لبنان المُغترب، ينبغي أَن يُعطى فُرصةً للنُّهوض ببلده الأُم، بدلاً من أَن تُشنَّ عليه الحملات العنيفة، ويتمَّ تجاهُل النَّجاحات الَّتي حقَّقها هؤلاء المُغترِبون في بُلدان الانتشار. إِنَّهم يمتلكون حتمًا مفاتيح الحلِّ للأَزمة اللُّبنانيَّة الخطِرة.