مع ارتفاع الحديث في بورصة تشكيل ​الحكومة​ عن الاسماء والتيارات الحزبية في ​الساعات​ الماضية، برزت نغمة الحديث عن حكومة "اللون الواحد"، وسرعان ما ركب هذه الموجة العديد من السياسيين والمسؤولين وحتى الزملاء في ​وسائل الاعلام​. في المفهوم العام لهذه التسمية، يكون هناك طرفان متناقضان في الافكار والرؤية وطريقة العمل، فيتولى أحدهما ​السلطة​ ويدير شؤون البلاد كما يريد في انتظار اما تأييده من قبل الشعب او ​مجلس النواب​، او رفضه من قبلهما. ولكن ما نشهده حالياً في ​لبنان​ لا يصب في هذا الاطار، اذ انطلق الكلام عن ​تشكيل الحكومة​ من تزاوج بين سياسيين واختصاصيين، ثم تحول الى حديث عن اختصاصيين فقط، ثم تدخلت اطراف وتيارات حزبيّة في عملية التشكيل وتسمية الوزراء وتقاسم الوزارات، قبل ان ترسوَ الامور على خلافات عميقة بين الاحزاب والتيارات السياسية التي بقيت على طاولة التأليف. كل هذه التطورات تفضي الى عدم جواز اطلاق تسمية حكومة "اللون الواحد" على الحكومة المقبلة. ولكي نكون اكثر وضوحاً في التعبير والكلام، المعني في هذا السياق بهذه التسمية هو ​حزب الله​ بشكل رئيسي اي مناهضة للغرب وللسعودية وعدد من ​الدول العربية​. اذا كان هذا هو الواقع فعلاً، كيف تكون حكومة "اللون الواحد" المؤيدة او الموالية لحزب الله، اذا كان التفاوض في شأن تشكيلها طاول مروحة واسعة من الاحزاب والتيارات قبل ان ينسحب كل من وجد نفسه غير قادر على فرض شروطه، وعلى سبيل المثال لا الحصر ​الحزب التقدمي الاشتراكي​. وكيف تصح هذه التسمية (اي اللون الواحد)، اذا كان الافرقاء المفروض ان يكونوا في صف واحد مناوئ للقوى التي بقيت في سوق العرض والطلب للتشكيل الحكومي، غير موحدين في مطالبهم ورؤيتهم ومختلفين في ما بينهم، وايضاً على سبيل المثال لا الحصر ​تيار المستقبل​ و​حزب القوات اللبنانية​؟ وكيف تصحّ ايضاً هذه التسمية اذا كان من يفاوض على تشكيل الحكومة يختلف بشكل جذري مع من يفترض أن يكون حليفه او من يشاركه الرؤية والفكر السياسي نفسه؟ والاكثرأهميّة، كيف تصحّ هذه التسمية اذا كان الغرب (اي ​الولايات المتحدة​ و​اوروبا​ وعدد كبير من الدول العربية) لم يضع ايّ "فيتو" على عملية التشكيل التي تقلّبت اكثر من مرة في غضون ثلاثة اشهر، ولو يلوحوا ولو مرة واحدة ب​عقوبات​ او بمقاطعة لها عندما تتشكل؟.

واذا ابصرت الحكومة النور فهي ستضمّ حتماً كل ​الطوائف​ والمذاهب، فلن تكون بالتالي من لون واحد طائفي، كما انها ستضم وزراء يؤيدون سياسيين معروفين انما يختلفون في ما بينهم، ولا يمكن ان تكون حكومة من لون واحد سياسياً، فعلى اي اساس الاصرار باطلاق هذه التسمية عليها؟ وبرأيي، فإن المشهد لن يكون معاكساً في ما لو كانت الاوضاع معكوسة، اي ان الاطراف التي باتت خارج موضوع التأليف هي التي تتولى مفاوضات تشكيل الحكومة، لانها ستتصارع في ما بينها بشكل حتمي، وقد تفشل ايضاً في تشكيل حكومة ترضي الحلفاء قبل الخصوم، ولكن رغم ذلك لا يمكن اطلاق عليها تسمية "اللون الواحد".
كانت قوى 8 و​14 آذار​ قد اعلنت منذ فترة وفاة هذين الطرفين من خلال التحالفات ​الجديدة​ التي طرأت في السنوات الاخيرة، وها هو الوضع اليوم يفرض خلق تحالفات جديدة تطيح بالقديم، والى ان يعود الطرفان الى قواعدهما سالمين، لن يكون من الممكن الحديث عن لون واحد وسيبقى "كوكتيل الالوان" هو السائد، ولن تكون حكومة مستقلين او اختصاصيين غير حزبيين او اي تسمية اخرى تطلق عليهم، لانه رغم كل شيء، لا تزال الاحزاب تمسك بالبلد وتفعل ما تشاء وتعزز حضورها مع تحوّل الحراك من سلمي الى عنفي.