"متسلّلاً" من بوابة مفاوضات تأليف ​الحكومة​ السابقة لولادتها، اختار رئيس تيار "​المردة​" النائب السابق ​سليمان فرنجية​ رفع السقوف مع رئيس "​التيار الوطني الحر​" الوزير ​جبران باسيل​ إلى الحدّ الأعلى المُتاح، ما تجلّى بوضوح يوم طالب بمعرفة "حجم" باسيل في الحكومة من أجل تحديد حصّته فيها.

في مؤتمره الصحافي الأخير عشيّة ولادة الحكومة، شنّ فرنجية أشرس هجومٍ على باسيل، وصولاً إلى حدّ اتّهامه بعرقلة ​تأليف الحكومة​ بسبب ما وصفه بـ"طمعه وجشعه"، وأصرّ على المطالبة بحقيبتين وزاريتين في الحكومة العشرينيّة، تحت طائلة الانسحاب منها مع منحها الثقة احتراماً للحلفاء.
قوبلت "شروط" فرنجية بالسخرية والاستهجان في أوساط "التيار الوطني الحر"، باعتبار أنّ تكتّلاً لا يتعدّى حجمه خمسة نواب، كان ممثَّلاً بوزيرٍ واحدٍ في حكومةٍ ثلاثينيّة، لا يمكن أن يطالب بحقيبتين في حكومةٍ عشرينيّة، وبالتالي لا يمكنه أن يقارن نفسه بالتكتل الأكبر في البرلمان، أي~ تكتل "​لبنان​ القوي" الذي يرأسه باسيل.
لكنّ فرنجية حصل على مُراده في نهاية المطاف، ولم يدخل الحكومة إلا بعدما تحقّق شرطه بالحصول على وزيريْن فيها، فهل سجّل بذلك هدفاً في "مرمى" باسيل؟ وهل يمكن "توظيف" ما حصل في سياق "المبارزة الرئاسية" التي بدأت بين الرجلين قبل أوانها؟!.

مكاسب بالجملة!


مع أنّ المقرّبين من تيار "المردة" ورئيسه يرفضون الربط بين ما حصل على خطّ تأليف الحكومة، والصراع غير الخفيّ مع الوزير جبران باسيل على ​رئاسة الجمهورية​، إلا أنّهم يعتبرون أنّ المعركة الحكومية التي خاضها فرنجية، انتهت بـ"ربحٍ صافٍ" للأخير، أعادت الاعتبار له ولتيّاره في مواجهة الحملات الشرسة وغير البريئة التي يتعرّض لها، خصوصاً من قيادات وقواعد "التيار الوطني الحر".
وفي وقتٍ يصرّ هؤلاء على أنّ اختصار المعركة بالقول إنّ فرنجية أراد رفع حصّته من وزيرٍ إلى اثنين في الحكومة، لا يعبّر عن حقيقة الموقف، وليس أكثر من "التهاء بالقشور"، إلا أنّهم يلفتون إلى أنّ "انتصاراً" يُسجَّل لفرنجية حتى إذا ما تمّ اعتماد هذه المقاربة، باعتبار أنّ رئيس تيار "المردة" حقّق في النهاية ما أراده، رغماً عن الجميع، وبعدما اصطدم بهجومٍ مباغتٍ من جمهور "التيار" الذي تفنّن في "السخرية" التي تشهد عليها منصّات ​وسائل التواصل الاجتماعي​، وذهب البعض إلى حدّ التأكيد أنّ أحداً لن يكترث، إذا ما كان فرنجية جزءاً من الحكومة أم خرجها غير مأسوفٍ عليه.
وعطفاً على هذا المكسب العام، يتحدّث المقرّبون من فرنجية عن سلسلة مكاسب أثمرتها المعركة الحكوميّة، لعلّ أولها وأكثرها أهمية بالنسبة إلى "المردة"، أنّه منع باسيل من الاستئثار بالحصّة المسيحيّة كما كان يمنّي النفس، بل منعه من "الاستفراد" بالثلث المعطّل في الحكومة، من دون أيّ من حلفائه، كما كان يخطّط، ولو أنّ الحديث عن "ثلثٍ معطّل" في حكومةٍ من لونٍ واحدٍ، يبقى أمراً مستغرَباً بالنسبة لكثيرين.
ويضيف المحسوبون على فرنجية مكسباً يصفونه بـ "الاستراتيجيّ" إلى ما تحقّق، وهو يكمن في "الاستقلاليّة" التي أثبتها الرجل، حين قال إنّ لا "​حزب الله​" ولا ​سوريا​ يمكنهم التأثير عليه حين يتعلق الأمر بـ"كرامته"، وهو ما حصل، بحيث لم يتراجع عن مطالبه حتى حين نفض الحزب يده من المساعي المبذولة لتأليف الحكومة، مسرّباً معلوماتٍ عن استيائه من الحلفاء، ليأتي "التنازل" من الآخرين، لا من فرنجية، وهنا بيت القصيد...

"بطولات وهميّة"؟!


هي مكاسب بالجملة إذاً يقول تيار "المردة" إنّه "جناها" من معركته الحكوميّة، معركة رفض فيها تقديم "التنازلات" لأحد، فكان له ما أراد في نهاية المطاف، على رغم المعارك الإعلاميّة الشرسة التي خيضت في وجهه، خصوصاً من جانب "التيار الوطني الحر".
بيد أنّ هذه المكاسب مجتمعةً لا تعدو كونها "بطولات وهميّة"، في قاموس المحسوبين على الوزير جبران باسيل، ممّن يستغربون "الضجّة المفتعَلة" حول ما حصل، مع أنّ قيادة "الوطني الحر" حيّدت نفسها منذ اليوم الأول عن المفاوضات، تاركةً لرئيس الحكومة حسّان دياب شأن إدارتها كما يجد ذلك مناسباً، بدليل أنّ باسيل رفض "الانجرار" إلى السجال الذي افتعله معه فرنجية، كما في كلّ مرّة، ولم يصدر عنه أيّ رد مباشر أو غير مباشر على الاتهامات التي ساقها الأخير ضدّه.
بالنسبة إلى هؤلاء، فإنّ الاحتفاء بتعزيز الحصّة الحكوميّة، فيما البلد ينهار، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية أكثر من أن تُعَدّ وتُحصى، هو "الالتهاء بالقشور" بحدّ ذاته، لأنّ هناك معارك أهمّ من ذلك بكثير، على الجميع في الحكومة وخارجها خوضها بكلّ جدية ومسؤولية اليوم، بعيداً عن حروب "النكايات" التي لا تغني ولا تسمن من جوع.
وعلى رغم كلّ التسريبات التي تمّ تداولها خلال مرحلة تأليف الحكومة، حول مطالب وشروط الوزير باسيل، وتدخّله بالشاردة والواردة في التركيبة الحكوميّة، إلا أنّ أوساط "الوطني الحر" تنفي ذلك جملةً وتفصيلاً، وتذكّر بالتصريحات المتكرّرة لرئيس "التيار"، والسابقة لمواقف رئيس "المردة"، والتي أكّد فيها "زهده" بكلّ المناصب، واستعداده للانكفاء والجلوس جانباً، مع عدم عرقلة الحكومة وعملها.
وتقول أوساط "التيّار" إنّ الدليل الأكبر على أنّ تعاطي "التيّار" مع الحكومة كان من مقاربةٍ مختلفةٍ، أنّ الحصّة المحسوبة عليه تتضمّن وزراء يصنّفهم رئيس الحكومة نفسه اليوم من بين ممثلي "​الحراك الشعبي​"، وعلى رأسهم وزيرة ​العدل​ ​ماري كلود نجم​ التي أعلنت صراحة "فخرها" بمشاركتها في "​الانتفاضة​"، وهو ما لا ينطبق على سائر الكتل، ولا سيما "المردة"، الذي لم يتردّد أحد وزرائه مثلاً في القول إنّه "ممثل المردة في الحكومة" في أول تصريحاته، ما أثار "عاصفة" من الانتقادات.
ويصرّ المحسوبون على باسيل على أنّ إقحام المعركة الرئاسية في كلّ استحقاقٍ أو خلافٍ يحصل بات أمراً مثيراً للاشمئزاز، خصوصاً أنّ "العهد" لا يزال في منتصفه، ومن المبكر جداً الخوض في شكل ​الانتخابات الرئاسية​ المقبلة، وهوية المرشحين المحتملين فيها، علماً أنّ التجربة أثبتت أنّ لكلّ استحقاقٍ رئاسيّ ظروفه، وبالتالي فإنّ المرشحين الذين يبدون اليوم "أوفر حظاً" قد لا يكون لهم "حظ" على الإطلاق عندما تدقّ ساعة "الجدّ".

"مبارزة" لا تنتهي!


لا شكّ أنّ المعركة الحكوميّة الأخيرة بين فرنجية وباسيل ليست الأولى من نوعها، وأنّها لم تكن سوى "شوط" آخر في سياق "المبارزة" المتواصلة بينهما، والتي ستستمرّ على الأرجح حتى الانتخابات الرئاسية المقبلة على أقلّ تقدير.
ولا شكّ انطلاقاً من ذلك، بأنّ "المبارزة" التي تتّخذ مع كلّ استحقاق شكلاً جديداً، وربما أدوات مختلفة، لن تتوقّف هنا، خصوصاً بعدما عجزت كلّ وساطات الحلفاء الأقربين والأبعدين، في التقريب بين الرجلين، ولو لدواعٍ "استراتيجيّة".
وبالانتظار، يبقى الأهمّ في مرحلة "الانهيار" التي يعيشها لبنان، أن يضع كلّ من فرنجية وباسيل "طموحاتهما" الرئاسيّة جانباً، حتى لا تتحوّل حكومة اللون الواحد إلى حلبة مصارعة بينهما، خصوصاً أنّ سقوط البلد سيطيح معه بالرئاسة وكلّ متفرّعاتها...