تدريجيًا، بدأت تتزايد الأصوات الداعية إلى إجراء إنتخابات نيابيّة مُبكرة في ​لبنان​، باعتبارها الحلّ الأفضل والأسرع للخروج من ​الأزمة​ الحاليّة. فهل هذا الأمر مُمكن، وفي حال حُصوله، هل تتغيّر توازنات ​مجلس النواب​ الحالي؟

دُستوريًا وقانونيًا، لا يُمكن تنظيم إنتخابات نيابيّة جديدة، في ظلّ إستمرار ولاية المجلس الحالي الذي كان قد جرى إنتخابه في أيّار من العام 2018، ما يَستوجب بالتالي-في حال الرغبة بتجديد ثقة الشعب بسلطته التشريعيّة، اللجوء إلى أحد الخيارات التالية:
الخيار الأوّل: إقتراح قانون من مجموعة من النوّاب، يقضي بتقصير ولاية مجلس النوّاب الحالي، يتمّ التصويت عليه إيجابًا بالأغلبيّة العدديّة في الهيئة العامة لمجلس النوّاب.
الخيار الثاني: إقتراح رئيس الجمهوريّة بحلّ البرلمان، على أن يتمّ التصويت عليه بأكثريّة الثلثين في ​مجلس الوزراء​، علمًا أنّ هذا الأمر مَنوط بخروقات دُستوريّة لم تحصل أصلاً(1).
الخيار الثالث: إستقالة جَماعية لنوّاب المجلس الحالي، ليتمّ عندها تنظيم إنتخابات واسعة لتعبئة المقاعد الشاغرة كلها، علمًا أنّ من شأن إستقالة أكثر من نصف أعضاء المجلس أن يشلّ عمله أيضًا، بسبب غياب النصاب، ما يستوجب بعد ذلك طلب السُلطة التنفيذيّة حلّه بالكامل(2).
من جهة أخرى، وبالنسبة إلى مواقف الكتل النيابيّة في المجلس الحالي، فإنّ أغلبيّتها الساحقة لا تريد إجراء إنتخابات مُبكرة، وبعض المواقف الإيجابيّة في هذا الصدد، لا تتجاوز المُزايدات الإعلاميّة، في محاولة لإمتصاص النقمة الشعبيّة. وربّما حزب "الكتائب" هو أكثر الداعين إلى تنظيم إنتخابات بأسرع وقت، والسبب أنّه كان من أكبر الخاسرين في الإنتخابات الأخيرة، ويراهن بالتالي على تغيّر في المزاج الشعبي، قد يُساعده في رفع عدد أعضاء كتلته في حال إجراء إنتخابات نيابية مُبكرة، خاصة وأنّ الحزب المسيحي اليميني العريق والذي تحالف في الإنتخابات الماضية مع شخصيّات من المُجتمع المدني، يرغب بتكرار هذه التجربة في الإنتخابات المُقبلة وبشكل أوسع. من جهة أخرى، إنّ حزب "القوات" الذي كان قد فازبكتلة نيابيّة كبيرة، ليس في عجلة من أمره لخوض إنتخابات جديدة، لكنّه لا يُعارض إجراءها في حال حُصول توافق على هذا الأمر، وهو يعتقد أنّه في موقع شعبي أفضل حاليًا من موقع مُنافسه الرئيس على الساحة المسيحيّة، أي "التيّار الوطني الحُرّ"، ما سيجعله الأقلّ ضررًا في حال لم يتمكّن من رفع عدد أعضاء كتلته. وبالنسبة إلى هذا الأخير، فهو لا يرغب بإضاعة ما تبقى من سنوات العهد الرئاسي الذي يعتبره عهده، خاصة وأنّ إحتمال فقدانه للنوّاب الحلفاء وغير الحزبيّين كبير، لأنّ تحالفات إنتخابات نهاية العهد الرئاسي للعماد ​ميشال عون​، وحُكمًا نتائجها، تختلف عن تحالف إنتخابات بداية العهد ونتائجها.
بالإنتقال إلى "تيّار المُستقبل" الذي كان في طليعة الخاسرين أيضًا في الإنتخابات الماضية، فهو غير مُتحمّس لأي إنتخابات مُبكرة، لأنّ بيته الداخلي بحاجة إلى ترميم كبير، وهو سيعمل في المرحلة المُقبلة على مُحاولة إستعادة قواعده الشعبيّة الغارقة تحت وطأة الأزمة الإقتصاديّة-الماليّة الخانقة، ولا يُريد حاليًا أي إنتخابات تزيد من حجم تراجعه السياسي بشكل شبه حتمي!وفي ما خصّ "​الثنائي الشيعي​" فهو بدوره يُعارض تنظيم إنتخابات جديدة، مع التذكير أنّ كلاً من "​حزب الله​" و"​حركة أمل​" كانا قد حصلا على الحد الأقصى للنوّاب المُتاحين للطائفة الشيعيّة، مع إستثناء وحيد سُجّل في جبيل، من دون أن يخرج النائب المَذكور عن عباءتهما. وبالتالي، لا حاجة للثنائي الشيعي للدخول في متاهة إنتخابات مُبكرة، لن تسمح لكل من "الحزب" و"الحركة" بزيادة أعضاء كتلتيهما، وربما قد تتسبّب بإنقاصهما بشكل طفيف.
وفي ما خصّ هيئات "المُجتمع المدني"، فهي بطبيعة الحال من أشدّ الداعين إلى إجراء إنتخابات نيابيّة مُبكرة، والأهمّ وفق قانون إنتخابي جديد. لكن وإذا كان صحيحًا أنّ نسبة الرافضين للقوى الحزبيّة كلّها، إرتفعت بشكل مَلحوظ منذ 17 تشرين الأوّل الماضي، فإنّ الأصحّ أنّ كثرة الجمعيّات والهيئات التي ولدت من رحم الإحتجاجات، وعدم توحّدها ضمن قيادة مركزيّة، وإستمرار التباين على مُستوى أجنداتها وأهدافها، لا يُبشّر بالخير بالنسبة إلى إمكان مُنافسة الأحزاب السياسيّة التقليديّة بلوائح مُوحّدة في أي إنتخابات مُقبلة. وبالتالي على الرغم من إحتمال إرتفاع فرص وُصول أكثر من نائب مَحسوب على المُجتمع المدني، وعلى المُحتجّين في الشارع عُمومًا، في أيّ إنتخابات مُقبلة، فإنّ إمكان وُصول عدد كبير من النوّاب المُستقلّين القادرين على تبديل توازنات مجلس النواب مُستبعد جدًا، حتى لوّ نجح المُجتمع المدني في التكتّل في لوائح مركزيّة مُوحّدة. ومن بين أسباب إستبعاد قلب موازين القوى جذريًا، أنّ الخلافات السياسيّة الداخليّة المُستمرّة، ستحول على الأرجح دون إقرار أيّ قانون إنتخابي جديد يستجيب لمطالب الشارع أو حتى لمطالب بعض الأحزاب السياسيّة المُعترضة نظريًا على القانون الحالي.
في الخلاصة، لا تغيير مُرتقب في لبنان سوى عبر صناديق الإقتراع، وحتى اليوم لا نيّة إطلاقًا لتقديم موعد الإنتخابات، مع ترجيح كبير بأن تؤدّي الإنقسامات السياسيّة التي باتت عميقة جدًا بين مُختلف القوى المُمثّلة في ​المجلس النيابي​ الحالي، إلى عدم إستبدال القانون الحالي. وبالتالي في حال تنظيم الإنتخابات في موعدها وفق القانون الحالي، فإنّ التغيير الجذري على مُستوى الطبقة السياسيّة لن يتمّ، وأقصى ما يُمكن حُصوله هو فقدان بعض الكتل السياسيّة والحزبيّة قلّة من أعضائها، لصالح دُخول المُجتمع المدني بشكل أكبر وأوسع إلى مجلس النوّاب، لكن بعدد محدود نسبيًا. وفي كل الأحوال، من اليوم وحتى ربيع العام 2022، تطوّرات كثيرة يُمكن أن تحصل وتُبدّل في المُعطيات الحالية...

(1) مثل عدم إجتماع المجلس طوال دورة عادية كاملة، أو طوال دورتين إستثنائيّتين مُتتاليتين، أو عدم درسه المُوازنة لضرب العمل الحُكومي، أو رفضه تعديلاً دستوريًا إقترحته ​الحكومة​، إلخ.
(2) يُوجد خلاف دُستوري ما إذا كانت الإستقالة الجَماعية لعدد كبير من النواب، تستوجب إجراء إنتخابات نيابية مُبكرة، أم إجراء إنتخابات فرعيّة لكل المقاعد التي شغرت-مهما كان عددها مُرتفعاً.