جهات عدّة تطلب مَنح الحُكومة ​الجديدة​ فرصة، للسماح لها بإثبات نفسها، وبالإنطلاق في العمل بهدف إخراج ​لبنان​ من أقسى أزمة إقتصاديّة-ماليّة-إجتماعيّة في تاريخه. لكن وفي حين يتّفق الكثيرون على أنّ منح رئيس ​الحكومة​ حسّان دياب وفريق العمل الوزاري ككلّ، الوقت الكافي للإنجاز، هو واجب أخلاقي وليس ضرورة مُلحّة فحسب، منعًا لتعريض اللبنانيّين جميعًا لعمليّة "إنتحار جَماعي"-إذا جاز التعبير، فإنّ السؤال الذي يفرض نفسه، هو التالي: كيف سيَصمُد الناس في ظلّ تعطّل أغلبيّة الأعمال، وغرق شرائح واسعة من اللبنانيّين تحت وطأة ​البطالة​، وحتى تحت وطأة ​الفقر​ والعَوز؟ وكيف سيَصمُد الناس في ظلّ تشدّد المَصارف في إجراءاتها وقُيودها غير الشرعيّة بحقّ المُودعين الذين باتت قُدرتهم على سحب "قرشهم الأبيض ليومهم الأسود" مَحدودة جدًا؟!.

لقد بات مَعروفًا أنّ جلسة ل​مجلس الوزراء​ ستُعقد في ​قصر بعبدا​ الخميس 6 شباط، لإقرار ​البيان الوزاري​ بصيغته النهائيّة، لتتجه الأنظار بعد ذلك إلى ​المجلس النيابي​ الذي يُنتظر أن يعقد بدوره جلسة للتصويت على منح الثقة للحكومة الجديدة مطلع الأسبوع المُقبل، وتحديدًا يوم الثلاثاء 11 شباط-على الأرجح. والأكيد أنّ الأغلبيّة الساحقة من اللبنانيّين، ليست مُهتمّة بالشقّ السياسي من البيان الوزاري، ولا بالصيغة التي ستُعتمد بشأن "المُقاومة"، بل بما تردّد على لسان بعض المسؤولين الرسميّين، بشأن إجراءات إقتصاديّة وماليّة قاسيّة، على الرغم من مُحاولات تلطيف هذه الإجراءات بالحديث عن إصلاحات ضريبيّة، وليس عن فرض ضرائب جديدة. والأكيد أيضًا أنّ مُحاولات ستجري من قبل مجموعات من المُحتجّين، لقطع الطُرقات حول المجلس النيابي، في مُحاولة لإفشال ​جلسة الثقة​ الأسبوع المُقبل، لكنّ الجلسة ستُعقد في نهاية المَطاف، والإجراءات الأمنيّة الضروريّة لتسهيل وُصول النوّاب ستُتخذ، علمًا أنّ الكثير من الرأي العام الغاضب على السُلطة السياسيّة ككلّ، لم يعد مُقتنعًا بكثير من التحرّكات في الشارع، بعدما تبيّن له أنّها تعود بالضرر على الناس العاديّين، قبل أيّ شخص آخر!.
إشارة إلى أنّ محطّتي البيان الوزاري ونيل الثقة، يُعطيان بعد إتمامهما "​الضوء​ الأخضر" للحكومة الجديدة للإنطلاق في العمل، في ظلّ طلب المسؤولين فيها من الرأي العام اللبناني، فترة سماح لا تقلّ عن مئة يوم، مع غمز من قناة بأنّ المُعالجات للأزمات المُتراكمة، قد تحتاج لفترة زمنية تمتدّ حتى ثلاث سنوات. وإذا كان صحيحًا أنّ ​الحكومة الجديدة​ برئاسة الدُكتور دياب ليست مسؤولة عن ​العجز المالي​ الحالي للدولة، وعن كل الديون الداخليّة والخارجيّة المُتراكمة، وعن كل الأزمات المَعيشيّة والحياتيّة المُستفحلة، فإنّ الأصحّ أنّ قُدرة المُواطنين على الصُمود، في إنتظار البدء بإجراءات الخروج من النفق المُظلم، قد تقلّصت بشكل كبير جدًا، وحتى قد إنعدمت بالنسبة إلى شرائح واسعة من اللبنانيّين.
وفي هذا السياق، إنّ إستمرار توقّف ​الدورة​ الإقتصاديّة عن الدوران، تسبّب بفُقدان المزيد من الأشخاص أعمالهم، وأسفر عن إرتفاع نسبة البطالة-الكاملة أو الجزئيّة، التي تضرب اللبنانيّين، إلى أرقام غير مَسبوقة، الأمر الذي زاد من حدّة ​الأزمة​ الإقتصاديّة-الماليّة. وجاءت الإجراءات والقيود الجديدة التي بدأت ​المصارف​ بتطبيقها إعتبارًا من مطلع شباط الحالي، والتي تحدّ أكثر فأكثر من قُدرة المُواطنين على سحب ودائعهم، لتزيد الطين بلّة-كما يُقال. فحتى الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم كليًا أو جزئيًا، وكانوا حتى الأمس القريب يُعوّلون على ما تيسّر لهم إيداعه في المصارف في السابق، ليتمكّنوا من الصُمود معيشيًا، في إنتظار جلاء غُبار الأزمة، أصبحوا عاجزين عن تأمين السيُولة الكافية لهذا الغرض، حتى من أموالهم الخاصة، والتي كانوا قد تعبوا على مدى سنوات، وربما على مدى عُقود، في تجميعها!.
وبالتالي، إنّ قيام الحكومة الجديدة بإتخاذ أيّ إجراء من شأنه زيادة الضغط المالي على المواطنين، سيأتي بنتائج عكسيّة. فمن غير المَقبول اللجوء إلى أيّ من الخيارات المُتداولة إعلاميًا لإنقاذ ماليّة ​الدولة​، أكان لجهة رفع ​الضريبة​ على القيمة المُضافة، أو زيادة الضريبة على ​البنزين​، أم أيضًا لجهة رفع الدعم عن ​الكهرباء​ أو عن ​المازوت​ أو عن ​القمح​، إلخ. لأنّ لا قُدرة للأغلبيّة الساحقة من المُواطنين على تحمّل دفع أي ليرة إضافيّة، قبل عودة دورة ​الحياة​ الطبيعيّة للأعمال والوظائف!.
وفي الخُلاصة، لا خيار أمام اللبنانيّين سوى التفاؤل ب​المستقبل​، وسوى عقد الآمال على الحكومة الحاليّة، لأنّ البديل عنها في المرحلة الحالية هو السُقوط الجَماعي-بغضّ النظر عن التفاصيل السياسيّة اللبنانيّة الداخليّة. والآمال كبيرة أيضًا بأنّ تعمل الحكومة على البدء بمُعالجة الأوضاع، على خطّين: الأوّل خارجي ويتمثّل بجولات على الدول العربيّة والغربيّة لتوفير الدعم المادي السريع للبنان، والثاني داخلي ويتمثّل بالشروع جديًا في وقف الهدر، وبتحريك ​القضاء​ لتوقيف الفاسدين وإرغامهم على ردّ الأموال المَنهوبة من خزينة الدولة. وما لم يحصل ما سبق، فإنّ الإنفجار الإجتماعي الكبير آت لا محالة، وعندها ستنطلق "​الثورة​" الفعليّة في لبنان، وسيُصبح تاريخ 17 تشرين الأوّل يومًا عاديًا أمامها!.