منذ ما قبل ​الانتخابات​ النيابية الأخيرة، يُطرَح مشروع قانون ​العفو العام​ على الطاولة بين الفينة والأخرى، وفقاً لحساباتٍ سياسيّةٍ شعبويّةٍ تارةً، وطائفيّةٍ مذهبيّةٍ تارةً أخرى، لتحول عقباتٌ يختلط فيها السياسيّ باللوجستيّ، دون سلوكه طريق التنفيذ على أرض الواقع.

وبعدما تعذّر "تطبيق" المشروع قبيل ​الانتخابات النيابية​، ليبقى في دائرة "الوعود الانتخابيّة"، لا أكثر ولا أقلّ، عاد المشروع إلى الواجهة قبل أشهر، توازياً مع "انتفاضة" ال​لبنان​يّين ضدّ الطبقة السياسية، ظنّاً من الأخيرة بأنّها تستطيع كسب ودّ الشارع من خلاله، وبالتالي التخفيف من وطأة "القيود" عليها.
ولأنّ رياح الحراك الشعبيّ لم تجرِ كما تشتهي الطبقة السياسيّة، وُضِع المشروع على الرفّ مجدّداً، ليعود اليوم إلى الواجهة، وسط "التعبئة العامة" التي تشهدها البلاد، والتي دفعت ​السجناء​ أنفسهم إلى "الاستنفار"، وفق قاعدة أنّ السجون باتت تشكّل "بؤرة موبوءة"، يسهل معها انتشار فيروس "كورونا" العابر للقارات.
فهل تشرّع أزمة "كورونا"، ومن خلفها "انتفاضة" السجناء، الأبواب أمام قانون العفو، فيبصر النور أخيراً، بعد طول أخذ وردّ، أم أنّ كلّ المستجدّات لن تقوى على تجاوز "الخطوط الحمراء" البديهية إزاء مثل هذا القانون؟!

"ضربة قاضية"


ليست المرّة الأولى التي يُطرَح فيها مشروع قانون العفو العام على الطاولة في لبنان، بعدما سقط مرّات ومرّات بـ"الضربة القاضية"، التي كان الحراك الشعبيّ الناقم على الطبقة السياسيّة خلفها قبل أشهر، حين أصرّ على تعطيل نصاب ​الجلسة التشريعية​ التي كان من المفترض أن تدرس القانون المثير للجدل، والذي اعتُبِر في الكثير من الأوساط السياسية بمثابة "رشوة" أرادت ​السلطة​ أن تقدّمها للشعب، على أمل "الصفح" عنها.
ولعلّ التدقيق في "رمزيّة" أوقات طرح المشروع، خصوصاً من الزاوية السياسية، يفضي إلى مثل هذا الاستنتاج، فهو طُرِح للمرّة الأولى قبيل الانتخابات النيابيّة الأخيرة، ما وضعه بطبيعة الحال في الخانة الانتخابيّة، بل الشعبويّة بالدرجة الأولى، نظراً للوظيفة "الانتخابية" التي قدّمها للأحزاب السياسية، التي توافقت على إدراجه ضمن "وعودها" الانتخابية، التي طلبت من المواطنين "تجديد البيعة" لها على أساسها، والتي لم يتحقّق منها شيءٌ لغاية تاريخه، وهو ما أفضى أصلاً إلى اندلاع "​الانتفاضة​" في السابع عشر من تشرين الأول الماضي، والتي يقول المعنيّون إنّها لم تنتهِ فصولاً بعد، وإن "جُمّدت" بشكلٍ أو بآخر، أقلّه حتى يثبت العكس.
وفي السياق نفسه، يمكن وضع "إحياء" الحديث عن المشروع توازياً مع هذه "الانتفاضة"، حيث شكّل العفو بنداً رئيسياً على لائحة "الورقة الإصلاحية" الشهيرة التي طرحها رئيس ​الحكومة​ الأسبق ​سعد الحريري​ قبيل "استسلامه" وبالتالي استقالته، وذلك في جلسة ​مجلس الوزراء​ الشهيرة في الحادي والعشرين من تشرين الأول الماضي، بعدما ظنّت الحكومة مرّةً أخرى أنّ مثل هذا القانون يمكن أن يعدّل المزاج الشعبيّ، لتأتي "المفاجأة" المدوية بسقوط الورقة، بكلّ ما فيها من "وعود" لم يكن حبرها قد جفّ، في الشارع.
ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ قبل أن يتكرّر "السيناريو" نفسه، هذه المرّة من بوابة ​مجلس النواب​، بعدما أصبحت الحكومة في "خبر كان"، فكانت الجلسة التشريعية التي أدرجت قانون العفو، بشكلٍ مباغتٍ، على جدول أعمالها، لينقلب الأمر عليها، فيُطاح بالجلسة من أساسها، من قبل الشارع الذي وقف لها بالمرصاد، رافضاً "​الضحك​ على الذقون"، بتمرير قانون "محاصصة"، بعيداً عن قوانين "المحاسبة" المطلوبة، علماً أنّ رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ أبدى يومها استهجانه لتعطيل جلسةٍ كان الهدف منها "تلبية" مطالب المحتجّين قبل أيّ شيءٍ آخر.

عقباتٌ بالجملة...


مجدّداً، يعود اليوم ​النقاش​ بقانون "العفو" على وقع "التعبئة العامة" المفروضة على البلد، والتي كسرت "صمت" الكثير من السجناء وذويهم، الذين خرج بعضهم يطالبون بـ "عفو عام"، أسوةً بما فعلته بعض الدول في إطار مكافحتها لانتشار وباء "كورونا"، وانطلاقاً من واقع السجون اللبنانيّة الذي لا يبدو مُطَمئناً، خصوصاً في ضوء حالة "الاكتظاظ" التي تشهدها، والتي "تستحيل" معها القدرة على "حصر" انتشار المرض، في حال "تسلّله" إلى السجون، بطريقةٍ أو بأخرى.
وإذا كان الموقوفون حاولوا قبل أيّام "تحريك" ملفّهم، من خلال "الانتفاضة" التي قادوها، والتي قد تتكرّر في الأيام المقبلة على رغم "القمع" الذي تمّت مواجهتهم به، خصوصاً في ظلّ وجهة نظر تقول بأنّ كلّ الأسباب "المانعة" لإطلاقهم سقطت مع إطلاق ​عامر الفاخوري​ وما أثاره من التباسٍ على أكثر من مستوى، فإنّ ثمّة في المقابل، اعتقاداً راسخاً بأنّ "عقباتٍ" بالجملة لا تزال تحول دون المضيّ بالمشروع حتى النهاية، مهما قيل أو يُقال أو سيُقال في هذا السياق.
لوجستياً، قد يكون "تعذّر" انعقاد مجلس النواب في هذه الفترة، ربطاً بـ"التعبئة العامة" المُعلَنة في البلاد، أحد أبرز الأسباب التي تحول دون إقرار مشروع قانون العفو، الذي لا يمكن أن يتمّ من دون انعقاد الهيئة العامة لمجلس النواب، بموجب ​الدستور​ والقانون، في ضوء حالة "الشلل" التي يعانيها البرلمان، على رغم ما يُحكى عن مساعٍ يقودها رئيسه نبيه بري لعقد جلسةٍ تشريعيّةٍ في وقتٍ قريب، خصوصاً أنّ ما ينطبق على مجلس الوزراء لا يسري بالضرورة على مجلس النواب، حيث "الاكتظاظ" أكبر، والإجراءات الوقائية قد لا تكون كافية.
لكن، أبعد من هذا السبب "الظاهر"، فإنّ الأكيد أنّه ليس أكثر من "ذريعة" في مواجهة "استنفار" السجناء وأهاليهم، باعتبار أنّ العقبة الأبرز لا تزال تكمن فيالانقسام السياسي والشعبي المستمرّ حول أيّ مشروع عفو، في ظلّ المخاوف من أن يتحوّل إلى "مطيّة" لإطلاق بعض المتهمين بجرائم "إرهابية"، ولا سيما المتورطين بقتل عناصر ​الجيش​، خصوصاً إذا ما سقط المشروع في فخّ المستنقع "المذهبي" كما هو حاصلٌ أصلاً، علماً أنّ المشروع الذي كان مطروحاً على الهيئة العامة قبل أشهر يفتقد إلى "الحصانة" المطلوبة، ويبدو أقرب إلى محاولة "استرضاء" بعض الفئات الشعبية، ولو على حساب السلطة القضائية، ما يعني أنّه لا يزال بحاجةٍ إلى مزيدٍ من الدرس والتمحيص.

حبرٌ على ورق!


في المُطلَق، لا شكّ أنّ أيّ قانون عفو يمكن أن يُطرَح، لا بدّ أن تكون خلفه مصالح سياسية، وانتخابية، وشعبويّة، ولو على طريقة "​المحاصصة​" كما هو الحال في لبنان، باعتبار أنّ ​الدولة​ ليست جمعية خيرية في نهاية المطاف، ولا شكّ أنّ أيّ مشروع تقرّه يخضع مُسبقاً لموازين الربح والخسارة.
لكنّ الأكيد أنّ أيّ قانون عفوٍ في لبنان بالتحديد لا يمكن أن يكون مجرّد "نزهة"، خصوصاً في ضوء "الخطوط الحمراء" التي لم ولن تتغيّر كما يجزم كثيرون، وبالتالي فإنّ أحداً لن يقبل بأن يؤدي العفو إلى إخراج من تورّطت أيديهم بقتال الجيش مثلاً، وفق قاعدة "الستة وستة مكرر" التي تعلو ولا يُعلى عليها.
وأبعد من هذا وذاك، ثمّة من "يحسم" الجدل "العقيم" سلفاً، بالقول إنّ ما لم تتجاوزه الحسابات "الانتخابية" في السابق، لن تقوى عليه الحسابات "الكورونيّة" اليوم، ما يعني أنّ قانون العفو سيبقى حبراً على ورق حتى إشعارٍ آخر...