المُراقب للتَّطوُّرات السِّياسيَّة والمواقف، خلال الأُسبوع المُنصرم، قد يكون لحظ "الطَّحشة" المُفاجئة أَحيانًا، والطَّبيعيَّة أَحيانًا أُخرى على "الأُم". وأَحيانًا يُذكر الاسم بالصَّراحة، وأَحينًا أُخرى تلميحًا لا تصريحا!.

الحُكومة عندنا عبَّرت تلميحًا في إِعادة تحريك طلبها "مساعدة العاجلة"، فانبرى صندوق النَّقد الدَّوليُّ يدرس طلبًا ​لبنان​يًّا لاقتراض قيمة مُساهمة لبنان في صندوق النَّقد والبالغة حوالى 860 مليون ​دولار​... وذلك يعني – وبكلامٍ آخر – أَنَّ مفهوم الأُمومة هُنا يكمُن في "فكِّ الضِّيقة ​المال​يَّة"، تمامًا كالأُمِّ الَّتي يلجأُ إِليها ابنها في ساعة الضِّيق، فتكون سترة نجاةٍ له!... والأُمُّ عندنا نحن المشرقيِّين، "لا تقول هل تُريد، بل تُعطي". وهل من ضيقٍ أَخنق على صُدورنا ممَّا نعيشه اليوم في لُبنان؟. وهل سيوصَد باب "المُساعدات العاجِلة" في وجه لُبنان؟.

ولكن ثمَّة فوارق كثيرةً بين حنان الأُمِّ والمصالح الدَّوليَّة، ومنها مثلاً أَنَّ من حقِّ "صُندوق النَّقد الدَّوليّ"، أَنْ يتأَكَّد من قدرة لُبنان على السَّداد، بخاصَّةٍ وأَنَّه لا يُعتبر بلدًا "مُعدمًا" حتَّى يُساعَد بأَيِّ ثمنٍ. كما وأَنَّ "صُندوق النَّقد" لم يكُن يومًا مُهتمًّا بالقلق على حياة مُواطني بلدٍ يطلُب منه المُؤَازرة، وبذلك تنتفي صفة الأُمُومة المَرجوَّة لُبنانيًّا!. كما ولا يأْبه للتَّوازُن المعيشيِّ ولا لقُدرات التَّكيُّف، بقدر اهتمامه في سُبُل إِيجاد طُرُق دفع الدُّيون إِلى الدَّائِنين، وإِنْ على حساب السُّكَّان المُرهَقين تحت الضَّرائب المُرتفعة وانعدام الضَّمانات الصِّحيَّة والاجتماعيَّة. وجُلَّ ما يعني الصُّندوق يبقى ردُّ المبالغ الَّتي يُقدِّمها إِلى الدَّولة المُتعثِّرة وضمن المُهل المُتَّفق عليها، وقبل منحها، وإِن على دفعاتٍ...

ويا ليت شروط الصُّندوق تقف عند عتبة المال والأَعمال، بل إِنَّ السِّياسة تُطلُّ برأْسها الغليظ عبر مُعادلة "الانفتاح" على الحُكومة اللُّبنانيَّة، في مُقابِل التَّضييق أَكثر على "​حزب الله​". وقد يكون طلب تحرير سعر صرف اللِّيرة اللُّبنانيَّة وإِعادة بناء ​قطاع الكهرباء​ -على عسرهما- أَسهل من الشُّروط السِّياسيَّة!. فها هي التَّجربة المصريَّة ماثلةٌ في الأَذهان: فقد وافق الصُّندوق، وضمن إِدارة "أَداة التَّمويل السَّريع" على منحها دفعةً أُوْلى من القُروض، هذا الشَّهر، بقيمة 2.7 مليار دولار من مجموع ما طلبته حكومتها من الصُّندوق، وهو 8.4 مليارات دولار. بيد أَنَّ مصر استبقت الحُصُول على هذا القرض في اتِّخاذ إِجراءاتٍ كتحرير سعر العملة الوطنيَّة ورفع الدَّعم عن الخدمات الحيويَّة الأَساسيَّة.

تغريدةٌ وورودٌ

والأُمُّ حضرت أَيضًا الأَحد الماضي، في تغريدةٍ وزاريَّةٍ "عايدت" خلالها وزيرة الشَّباب والرِّياضة فارتينيه أوهانيان، عبر حسابها على "​تويتر​"، وباسم الحُكومة اللُّبنانيَّة، "الأُمَّهات اللَّواتي لم تتمكَّن من الاحتفال بالعيد في حينه"... وبتكليفٍ حُكوميٍّ قدَّم "اتِّحاد كشَّاف لُبنان"، الورود إِلى الأُمَّهات، ولو بمفعولٍ رجعيٍّ، في مشهديَّةٍ توحي بالزَّحف الحُكوميِّ نحو أُمٍّ، قيل عنها إِنَّ وجهها وجه الأُمَّة. واليوم الأُمَّة حزينةٌ حتَّى الموت!.

مُبادرةٌ تربويَّةٌ

وصولاً إِلى المجال التَّربويّ حيث تُطلق "جائِزة الأَكاديميَّة العربيَّة" مُبارياتٍ إِبداعيَّةً مدرسيَّةً للصَّفَّين الأَساسيَّين التَّاسع المحروم من شهادته "استثنائيًّا" هذا العام، والثَّامن الطَّامح إِلى أَنْ يكون مصيره أَفضل من مصير سابقيه... وسيستوحي المُتعلِّمون من قصيدةٍ شعريَّةٍ عن "الأُمّ"، للتَّعبير عن مشاعرهم من خلال الرَّسم، التَّعبير الكتابيّ، الرِّسالة أَو الغناء، تحت عنوان "أُمِّي تحميني".

غير أَنَّ المُبادرة التَّربويَّة تلك، قد تصف الواقع في إِطارٍ أَكاديميٍّ، ومن خلال دمعة أُمٍّ قلبها يُعتصر على ما آلت إِليه الأُمور في أُمَّة بنيها!.