المشاكل التي يُعاني منها لبنان حاليًا، لا تُعدّ ولا تُحصى، ومن بينها مُشكلة تعني قسمًا كبيرًا جدًا من ​الشعب اللبناني​، وهي مُشكلة العام الدراسي التربوي 2019–2020، وكل ما يرتبط به. فما هو واقع الأزمة الراهنة في القطاع التربوي، وماذا يُتوقّع أن يحصل في المُستقبل القريب؟.

من وجهة نظر أهالي التلاميذ، العام الدراسي كان غير مُنتج على الإطلاق، حيث توقّفت الدُروس مرارًا وتكرارًا، بسبب الإحتجاجات الشعبيّة بداية، ومن ثم بسبب أزمة وباء كورونا. وبالتالي، من غير المقبول مُطالبة أولياء الطُلاب في المدراس الخاصة بتسديد الأقساط المدرسيّة لقاء خدمة لم تتمّ، أو تمّت بشكل محدود وجزئي في أفضل الأحوال!.
من وجهة نظر الأساتذة، المُعلّمون والمُعلّمات غير مسؤولين عن أيّ توقّف قسري لعمليّات التدريس المُباشر، والكثير منهم قام في الأسابيع والأشهر القليلة الماضية بتقديم الدُروس عن بُعد، أو على الأقل بتحضير الحُصص المدرسيّة عن بُعد–كما طُلب منه. ومن غير المُنصف على الإطلاق، أن تتوقّف إدارات بعض المدارس عن تسديد الرواتب بشكل كلّي أو جزئي للمُعلّمين، خاصة وأنّ نظراءهم في ​التعليم الرسمي​ يتقاضون رواتبهم بشكل طبيعي مع كل الزيادات الماليّة التي حصلوا عليها بفعل ​سلسلة الرتب والرواتب​، بعكس أساتذة التعليم الخاص!.
من وجهة نظر إدارات المدارس الخاصة التي تحضن نحو 70% من إجمالي الطُلاب في لبنان، إنّ العبء المُلقى على عاتقها كبير جدًا، والأمور تتجه من سيّء إلى أسوأ، بشكل لم تعد الخشية مُقتصرة على ضياع العام الدراسي فحسب، بل على مصير العام الدراسي المُقبل، وديمومة كامل القطاع التعليمي الخاص. والسبب أنّ نسبة الأهالي الذين سدّدوا ما عليهم من أقساط تتجاوز الثلث بقليل بالنسبة إلى القسط الأوّل، وتبلغ نحو الربع بالنسبة إلى القسط الثاني، وهي شبه معدومة بالنسبة إلى القسط الثالث، ما يعني عمليًا إفتقار المدارس للأموال اللازمة، ليس فقط لتسديد رواتب كادرها التعليمي والإداري، بل للقيام بدورها التربوي ككل!.
ويُمكن القول إنّه إزاء هذه المُشكلة الحادة، بل الكارثة الواقعة على الجميع، ساد الضياع التام على مُستوى مسار الحُلول المنشودة، علمًا أنّ الأيام القليلة المُقبلة ستشهد قرارات حاسمة من جانب إدارات المدارس الخاصة، وسط إستمرار إعتراض ​لجان الأهل​ على أيّ فرض لمُعالجات مزاجيّة، وإستمرار مُناشدة ​وزارة التربية​ التدخّل. إشارة إلى أنّ وزير التربيّة ​طارق المجذوب​ كان تعرّض خلال الأسابيع الماضية لإنتقادات حادة بسبب تأخّره في حسم الأمور، ثم تعرّض لحملة شرسة من لجان الأهل عندما أعلن مُعاودة العام الدراسي إعتبارًا من نهاية شهر أيّار في الوقت الذي لم يتمّ فيه القضاء على وباء كورونا، قبل أن يتراجع بسرعة عن الخُطوة مُعلنًا إنتهاء العام الدراسي، ليلقى عندها هُجومًا لا يقلّ شراسة، لكن هذه المرّة من قبل إدارات المدارس الخاصة التي وصفت الخُطوة بالمُنفردة وغير المَدروسة. ومرّة جديدة، ومع إستمرار الكباش الحاد بين لجان الأهل وإدارات المدارس الخاصة، تدخّل ​مجلس الوزراء​، مُوافقًا على إلغاء الإمتحانات الرسميّة، لكنّه أعاد الكُرة إلى "إتحاد المؤسّسات التربويّة الخاصة" لجهة عدم السير بإقتراح الوزير المجذوب القاضي بالترفيع التلقائي للتلامذة، وحصر إعطاء الإفادات المدرسيّة بالمدارس، بعد إستكمال التعليم عن بُعد لغاية التاريخ التي يُناسبها. وهذا البند ليس تفصيلاً صغيرًا، بل هو أساس المُشكلة القائمة حاليًا، لأنّ إدارات المدارس الخاصة تعملحاليًا على إيجاد الصيغ المُناسبة، لربط إنهاء العام الدراسي وترفيع الطُلاب بمسألة تسديد الأقساط المدرسيّة، وهو ما ترفضه لجان الأهل. فما الذي سيحصل؟.
بداية، يجب التأكيد أنّ على الأهالي دفع الأقساط المدرسيّة، لأن هذه الأموال تُستخدم بجزء كبير منها لدفع رواتب كل الكادر التعليمي والإداري الذي يعمل في المدارس الخاصة. لكن في المُقابل، على إدارات المدارس الأخذ في الإعتبار، الصُعوبات الإقتصادية لهذا العام المشؤوم، بدءًا من توقف أعمال الكثيرين أو تضرّرها بشكل كبير، مرورًا بعدم القُدرة على سحب الأموال بشكل سليم من ​المصارف​، وُصولاً إلى قيام الأهل بتدريس أولادهم بأنفسهم بدلاً من الأساتذة، لأشهر طويلة، إضافة إلى غياب الكثير من المصاريف التشغيليّة للمدارس، ما يَستوجب خفض قيمة الأقساط بشكل مُلائم لكل هذه الوقائع. وعلى الكادر العامل لصالح المؤسّسات التربويّة الخاصة، تفهّم الظروف التي قد تقود إلى إقتطاع جزء من رواتبه، كما حصل في العديد من المؤسّسات العاملة الأخرى. وليس بسرّ أنّ هذا "التنازل الثلاثي" إذا جاز التعبير، كان مدار بحث مُستفيض بين المَعنيّين خلال الأسابيع الماضية(1)، لكن لم يتمّ التوصّل إلى تسوية وسطيّة مُرضية للجميع، بسبب تمسّك كل طرف بمكاسبه، ورفضه التنازل–ولوّ جزئيًا! وقد لاقى إقتراح تحويل أموال الإمتحانات المُلغاة، إعتراضًا من أساتذة الرسمي الذين طالبوا بدعم هذا القطاع الذي سيزداد عدد تلاميذه بشكل كبير العام المقبل.
من جهة أخرى، يُنتظر أن تنتهي خلال الأسبوع المُقبل، المُهلة التي منحتها نقابة المُعلّمين في المدارس الخاصة، لوضع آليّة واضحة لدفع رواتب المُعلمين وحفظ حُقوقهم، قبل التصعيد على الأرض، في حين تنتظر لجان الأهل بدورها الموازنات المُعدّلة للمدارس الخاصة، ليتمّ على أساسها تحديد قيمة الأقساط للعام الحالي، والتي سيقود عدم تخفيضها إلى تمرّد واسع من قبل الأهالي، رفضًا للدفع، مع ما يعنيه هذا الأمر من مشاكل لا تُعدّ ولا تُحصى ستواجهها المدارس الخاصة في لبنان.
في الختام، يجب أن لا يتأخّر الحلّ وأن يكون بيد وزارة التربية دون سواها، وهذا الحلّ يجب أيضًا أن يكون مركزيًا وحازمًا، بمعنى أن تصدر قرارات حاسمة عن وزارة التربية تُلزم من يرغب بإستمرار تلقّي أولاده تعليمًا في المدارس الخاصة، بدفع ما عليه من مُستحقّات لإنصاف المُعلّمين. لكن في الوقت عينه، يجب أيضًا إلزام المدارس بخفض نسبة معيّنة من قيمة الأقساط، تُناسب ظروف هذا العام من مُختلف النواحي، ولو أسفر ذلك عن تخفيض جزئي محدود في رواتب الكادر العامل في المؤسّسات الخاصة. والحديث عن درس كل حالة على حدة، لحسم جزء من الأقساط من قبل إدارات المدارس الخاصة، مرفوض، لأنّ المسألة ليست توسلاً، بل هي واقع إستجدّ على الجميع، ويجب أخذه في الإعتبار بشكل مُحقّ ومُنصف ومنطقي.

(1) يُمكن أن يدفع الأهالي مثلاً ثلثي إجمالي الأقساط لهذا العام، وأن يتقاضى المُعلّمون والعاملون في المدارس الخاصة ما لا يقلّ عن 80% من قيمة رواتبهم لهذا العام أيضًا، باعتبار أنّ الأموال المُكتسبة من الأقساط ليست لدفع الرواتب فحسب، بل لتمويل كل المصاريف التشغيليّة للمدارس، وهي مصاريف تقلّصت كثيرًا نتيجة الإقفال المُتكرّر هذا العام.