غابت التحالفات السياسيّة التقليديّة عن الجلسة التشريعيّة أمس، لصالح تموضعات وعمليّات تصويت على القُطعة–إذا جاز التعبير. ومن ضُمن أبرزمشاريع القوانين التي أقرّت، تمويل ما إصطلح على تسميته "شبكة الأمان الإجتماعي والتحفيز"، وآلية التعيينات التي تسحب من يد الوزراء والقوى السياسيّة مَزاجيّة التعيين، ورفع السريّة المصرفيّة التي كان يختبئ خلفها بعض الفاسدين، إلخ. في المُقابل، حالت الخلافات والتناقضات بين القوى السياسيّة المُختلفة، وكذلك مُحاولة بعض الجهات السياسيّة فرض مشاريع قوانين من دون تحضير الأرضيّة المُناسبة لها، دون مُرور مشاريع قوانين مُهمّة،أبرزها مسألة "الكابيتال كونترول" أو مُراقبة وضبط حركة أموال المُودعين في المصَارف، ومسألة ​العفو العام​ التي كان قد تمّ تأجيلها مرارًا وتكرارًا خلال السنوات القليلة الماضية. فماذا في التفاصيل؟.

في ما خصّ قانون العفو العام الذي لم يمرّ في المجلس مرّة جديدة، على الرغم من الجُهود الكبيرة التي بُذلت، فإنّه سقط نتيجة مُزايدات مُتبادلة، حيث حاولت كل جهة أن تُمرّر بعض البُنود التي تستجيب لضُغوط بيئتها الشعبيّة، وأن تنكر على الآخرين حقّهم المُماثل. وقد حاول رئيس مجلس النوّاب ​نبيه برّي​ تمرير القانون، من خلال إقتراح التصويت عليه كباقة واحدة غير قابلة للتجزئة، لكنّ إقتراحه رُفض، نتيجة ما إعتبرته القوى السياسيّة أفخاخًا وألغامًا يتضمّنها القانون، مع تسجيل تناقض كبير في توصيف هذه الأفخاخ والألغام. وقد تشدّد أكثر من طرف في رفضه العفو عن المُبعدين قسرًا من ​الجنوب​ ال​لبنان​ي، في حين تشدّدت أطراف أخرى بوجه الإفراج عن الإسلاميّين الذين إقترفوا جرائم بحقّ ​الجيش​ والقوى الأمنيّة الرسميّة. إشارة أيضًا إلى أنّ تضمين مشروع القانون بنودًا تتيح خفض فترة عُقوبة من سيتمّ إستثناؤه من العفو، شكّل أيضًا ثغرة كُبرى لا تقلّ أهميّة عن باقي الثغرات، لأنّ الكثير من المُجرمين الخطيرين ومن المَسجونين المَحكومين الذين كانوا سيبقون في السجن مرحليًا، سيستفيدون من هذه النُصوص، للخروج من السجن بعد فترة زمنيّة قصيرة، وكأنّ في الأمر مُحاولة مَكشوفة للعفو عن هؤلاء بشكل غير مُباشر ومن دون ضجيج إعلامي! وفي كل الأحوال، صحيح أنّ إكتظاظ السُجون في لبنان، في ظلّ ظُروف غير إنسانيّة في كثير من الأحيان، يُشكّل مُشكلة مُزمنة تستوجب الحلّ، وصحيح أنّ وُصول نسبة الموقوفين غير المَحكومين، إلى ثلثي إجمالي المساجين، هي مُشكلة أخرى لا تقلّ خُطورة وتستوجب الحلّ سريعًا، لكنّ الأصحّ أنّ هذه الثغرات الكبيرة لا تُبرّر تمريرَ قانونًا للعَفو يتضمّن العديد من الثغرات، ولا يُساوي بشكل عادل بين أبناء الوطن الواحد، من خلال وضع "فيتو" على العفو عن هذه الفئة أو تلك، علمًا أنّ المُذنب مُذنب، والمُجرم مُجرم، والمُدان مُدان، ولا يمكن أن يكون أحدالسجناء أو المطلوبين بسمنة وأن يكون مُطلوب أو سجين آخر بزيت!.
بالنسبة إلى مسألة التحكّم برؤوس الأموال، فإنّ إحالتها مُجدّدًا إلى اللجان لمزيد من الدرس جاء بسبب تباين كبير في المواقف منها من جانب النوّاب من جهة، وبسبب عدم قُدرة ​المصارف​ على تنفيذ بعض ما جاء في مشروع القانون من جهة أخرى! وفي هذا السياق، إنّ العديد من المصارف عاجزة عن تحويل الدولارات إلى الخارج، لتغطية الإستثناءات الواردة في المشروع، الأمر الذي دفع النوّاب إلى إتخاذ قرار تحويله إلى اللجان مُجدّدًا. إشارة إلى أنّ قَوننة التحويلات الماليّة الخارجيّة، هي مسألة مُلحّة، تستوجب التحرّك سريعًا لبتّها، خاصة أنّ المشاكل القائمة ليست وليدة ساعتها، بل هي مُستمرّة منذ 17 تشرين الأوّل من العام الماضي، وقد إزدادات حدّة في المرحلة الأخيرة. وإذا كان من الضروري منع أيّ تحويلات ماليّة إلى الخارج، بقُوّة القانون، للحؤول دون تهريب المزيد من الودائع إلى الخارج، مع ما يعنيه هذا الأمر من نقص في السيولة بالعملات الصعبة داخل لبنان، فإنّ حُرمان فئات واسعة من ​الشعب اللبناني​ من الأموال اللازمة للتعلّم أو للسكن أو للعيش أو للطبابة، إلخ. في الخارج، يُعتبر إنتهاكًا موصوفًا لحريّة الناس، ناهيك عن أنّ منع التحويلات إلى الخارج ضرب القطاع التجاري في الصميم، بحيث صار من الصعب جدًا على التُجّار تأمين الأموال اللازمة لتسيير أعمال الإستيراد، مع إستثناءات مَحدودة غير كافية على الإطلاق. من جهة أخرى، وفي حين يتركّز الجدل على مسألة التحويلات الماليّة إلى الخارج، ينسى الكثيرون أو يتناسوا، مسألة "الكابيتال كونترول" المَفروضة على المُودعين من غير وجه حقّ داخل لبنان. فالسُحوبات الماليّة من الودائع مُحدّدة بسُقوف مُتدنّية، وهي تُصبح غير عادلة على الإطلاق عندما يكون الحساب المَعني بالدولار وليس بالليرة، بحيث إضافة إلى السقف المُتدنّي لعمليّة السحب، يتعرّض المُودع لسرقة مَوصوفة عند تنفيذه أي عمليّة سحب، من خلال إقتطاع نحو ربع قيمة المبلغ! فعند طلب سحب ألف دولار أميركي مثلاً، يتم منح المُودع، ثلاثة ملايين ليرة لبنانية فقط لا غير، ما يعني أنّه سيفقد ما لا يقلّ عن 25 % من قيمة المبلغ المُستحقّ له وفق سعر الصرف الفعلي وغير الوهمي للدولار. أكثر من ذلك، عند سحب الفائدة على الوديعة المُجمّدة بالدولار، يتمّ منح المُودع نصف قيمة الفائدة ب​الليرة اللبنانية​ على سعر صرف يبلغ 1515 ليرة، والنصف الباقي بالليرة اللبنانيّة أيضًا على سعر صرف يبلغ 3000 ليرة. بمعنى آخر، إذا كان على المصرف دفع 200 دولار أميركي للمودع بدل فائدة عن أمواله، أي ما يُوازي عمليًا أكثر من 800 ألف ليرة لبنانية، يتم منحه 150 ألف ليرة عن أوّل مئة دولار، إضافة إلى 300ألف ليرة عن ثاني مئة دولار، أي ما مجموعه 450 ألف ليرة لبنانيّة فقط لا غير!.
في الخُلاصة، من الواضح أنّ الكثير من الجهات السياسيّة في لبنان لا تزال–للأسف، تتصرّف مع القوانين والتشريعات من مُنطلقات غير وطنيّة المَنحى ولا تطويريّة الطابع، وتحديدًا وفق مصالح ضيّقة ومنافع إنتخابيّة وشعبويّة، وكذلك وفق إعتبارات حزبيّة وطائفيّة ومذهبيّة.