حدثُ العنصرةِ مفصليٌّ، فالتلاميذُ بعدَهُ ليس كما قبلَه، وكذلك العالمُ مِن حولهم. ففي هذا اليوم "امْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا"(سفر أعمال الرسل الإصحاح الثاني).

تأتي العنصرة بعد تسعةٍ وأربعينَ يومًا بعد الفصحِ، لتكونَ اليومَ الخمسين، لذا تسمّى ب​اللغة​ اليونانيّة ΠεντηκοστήPendicosti أي اليوم الخمسون ومنها أتت كلمة Pentecost.
كلمة "عنصرة" في اللغة العبريّة تعني "الاجتماع". فإلى جانبِ أنَّ التلاميذَ كانوا مجتمعين معًا، حصلَ في ذلك اليوم اجتماعٌ آخر، وهو اجتماع ​الإنسان​ مع المعزِّي الروحِ الحقّ أي الرُّوحِ ​القدس​.
يُخبرنا سِفرُ أعمال الرسل:"وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ"(أع١:٢).
لقد صلّى يسوع قَبلَ ذهابه إلى الصليب "ليكونوا واحدًا" (يوحنا ١١:١٧). الله يريدنا أن نَكونَ متَّفقينَ للخيرِ والصلاحِ، لأنَّ التفرقة هي مِن عدوِّ الإنسان الذي هو إبليس.


نقرأ في العهد القديم أنَّ الأرضَ كانت "كُلُّهَا لِسَانًا وَاحِدًا وَلُغَةً وَاحِدَةً" وأراد أناسٌ أن يبنوا برجًا "رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ". فقد قَصدوا بذلك أن يَصنعوا لهم مجدًا بمعزلٍ عن مجدِ الله، مجداً مليئاً بالكبرياء وتَعظيم الذَّات. فَما كان مِن الله إلّا أن نَزلَ وبَلبلَ لِسانَهم ولم يَعُدْ أحدٌ يَسمعُ لِسانَ الآخر(تكوين ١١).
بلْبَلَهُم الله لكي لا يجتمعوا للشر.
بينما هنا في العنصرة نجد أن اللغاتَ المختلفة أصبحت واحدةً، إذ جمهورٌ مِن ​اليهود​ مِن مناطقَ مختلفة ولغاتٍ مختلفة، كانوا هناك ليحتفلوا بعيد الخمسين، الذي هو يوم استلامِ موسى النبي "الوصايا العشر"، فسمعوا ما قالَ لهم التلاميذ وفهموه، كلٌّ منهم بلغته.
هناك في بابل، كانوا واحداً في السوءِ فتبلبلوا، أمّا هنا فأضحوا واحداً في الله.
لُغَةُ القلبِ هي واحدة لأنّها روحُ الله. سُئِلَت مرّةً الأم غابريلا (١٨٩٧-١٩٩٢م) التي كانت تفتقدُ المحتاجينَ: كيف تتواصلينَ معهم، وأنت لا تُجيدينَ لغتهم؟ فأجابت: أنا أُجيدُ لُغةَ المحبَّةِ والعطفِ والحنانِ والافتقادِ، ولغةَ نَبَضِ القلبِ الصادق.
نحن اليومَ في عصرِ التواصلِ، ولكن للأسف،إنّه على الصعيد الإنساني يَغلبُ عليه اللاتواصل.
فباتَ مِن النَّادرِ أن نجدَ تواصلًا حقيقيًّا ضِمنَ البيتِ الواحد والأسرةِ الواحدة، إذ إنّنا نستطيع أن نتواصل مع بلدٍ يبعد عنَّا آلاف الكيلومترات ولا نتواصلُ مع شخصٍ لا يَبعدُ عنّا مِترًا واحدًا. لماذا؟ لأنَّ التواصلَ بين البشرِ يُقاس بنبضات القلبِ، وليس بالصُّوَرِ والرسائل الإلكترونيّة فقط، إذ إنَّ هذه الأخيرة تأتي ترجمةً للأولى وإلّا باتت مزيَّفةً لا صِدقَ فيها.
وقفَ بطرس في العنصرة مع الأحد عشر ممتلئاً مِن الرُّوحِ، وخَطَبَ في اليهودِ بشجاعةٍ، فتحرّكت قلوبُهم سائلينَه ما العمل؟ فأجابهم: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ".إنَّه روحُ الخليقةِ الجديدة(أعمال ٢).
نعم ليس مِن طريقٍ آخرَ سوى الاتّضاع والتوبة، أي تغيير مسار الذهن بأكمله. "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا." (٢ كو ٥: ١٧).
ويقول أعمال الرسل: "فَقَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ".
وإذا سألنا ماذا كانت ثِمار العنصرة في نفوس المنضمّين الجدد، لأتانا الجواب في الآيات التالية "وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ."، "وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا".
هذه هي الجماعة الواحدة التي يُريدُها الرّب. فكلمة كنيسةEglise تأتي من εκκλησία التي تتضمّن فعل καλώ أوجّه دعوةً مع بادئة (εκ(Prefix ، ليصبحَ المعنى الكامل أخرج (إلى الخارج) وأدعو، أي أدعوهم إلى الخلاص.
فنزولُ الروحِ القدسِ على التلاميذ أعلنَ وِلادةَ الكنيسةِ وجَمَعَ المُتفرّقينَ إلى واحد.
الله لا يريدُنا أن نبقى في غربةٍ كي لا نتوه، إذ عندها لا نعودُ نَفهمُ حتى أنفسَنا، إنّه يدعونا إلى هذا الاجتماع، فهل نلبّي دعوته؟.