في لحظة بلوغ ​الأزمة​ ​الاقتصاد​يّة والمعيشيّة والخدماتيّة والنقديّة الذروة مع ارتفاع سعر صرف ​الدولار​ إلى نحو عشرة آلاف ليرة، إلى جانب التقنين القاسي في التيار الكهربائي… وسيادة شعور عام لدى ال​لبنان​يين باليأس والإحباط من إمكانيّة وضع حدّ لهذا المسار الكارثي بالنسبة لهم.. لغياب أيّ خطوات عملية تفتح أفقاً للخروج من نفق الأزمة.. في هذه اللحظة ظهر بصيص أمل حقيقي تجلّى في تجرّؤ ​الحكومة​ اللبنانيّة على كسر ما اعتبرته قوى وجماعات متأمركة أنه من المحرمات، وراحت تهوّل من خطر الإقدام عليه… وهو اتخاذ الحكومة خطوات عمليّة بالتوجّه نحو الشرق، بدءاً ب​العراق​ و​الصين​، وهو ما تجسّد…

أولاً، لقاءات صينيّة لبنانيّة مكثّفة، سبقها رسائل من الشركات الصينيّة للحكومة تبدي الاستعداد للاستثمار في تنفيذ مشاريع البنّية التحتيّة وفق نظام BOT وقد تناولت اللقاءات بين رئيس الحكومة ​حسان دياب​ والوزراء المعنيين مع الوفد الصيني المرافق للسفير الصيني ​وانغ كيجيان​ تعزيز الشراكة بين لبنان والصين في سياق مشروع الحزام والطريق… وتنفيذ مشاريع معامل ​الكهرباء​ و​النفايات​ وسكة الحديد…
ثانياً، لقاءات عراقيّة لبنانيّة، بين وفد وزاري عراقي ونظرائه اللبنانيين ركزت على سبل التعاون المشترك، لا سيما لناحية مقايضة المنتجات اللبنانية ب​النفط​ والفيول من العراق، حيث أبدى الوفد العراقي استعداداً لذلك…
هذا التطوّر الهامّ في توجّه الحكومة العملي لمعالجة الأزمة يأتي بعد أن سُدّت كلّ المنافذ أمامها لمعالجة الأزمة وباتت تواجه اشتداداً في الحصار الأميركي المصحوب بضغط من المسؤولين الأميركيين لإجبار لبنان على تقديم تنازلات يتخلى بموجبها عن جزء من ثروته النفطية في مياهه الإقليمية لكيان العدو الصهيوني. ويقبل الإصلاحات التي يطالب بها ​صندوق النقد​ كشرط لمنح لبنان قرضاً مالياً، وتنفيذ ​القرار 1559​، واستطراداً القبول بعزل ومحاصرة ​المقاومة​ وصولاً إلى نزع سلاحها… أيّ باختصار وضع لبنان بين خيارين: البقاء يختنق بالحصار، أو الاستسلام الكامل للهيمنة الأميركية، بالتخلي عن عوامل قوّته المجسّدة بمقاومته، وجزء من ثرواته…
في موازاة ذلك لجأ الأميركي والفريق التابع له في لبنان إلى شنّ حرب الدولار المصحوبة بترهيب وإخافة الحكومة من الإقدام على التوجّه شرقاً، للخروج من قيود الحصار وإيجاد منافذ جديدة لحلّ أزمات لبنان بعيداً عن أيّ شروط تمسّ بسيادة واستقلال لبنان، وتنتهك كرامته الوطنية…
لكن ما أن سلكت الحكومة طريق التوجّه شرقاً وبدأ ​اللبنانيون​ يلمسون فعلياً أنّ هناك إمكانية ل​تحقيق​ تطلعاتهم بحلّ أزماتهم المزّمنة بما يحفظ لهم كرامتهم ويحرّرهم من لعبة الدولار، ويضع حداً للتلاعب بلقمة عيشهم… حتى أصيبت القوى والجماعات المتأمركة بالصدمة والذهول… فراحت تقلّل من أهمية هذه الخطوات العمليّة لإخراج الاقتصاد من أزمته ومعه إخراج اللبنانيين من أزماتهم الخدماتيّة والإحباط واليأس الذي خيّم عليهم… ولم يجد اتباع ​أميركا​ غير ادّعاء أنّ الحكومة «تسير بسيناريو جديد ومتكرّر، من النفط مقابل الغذاء، مختلف لكن النتيجة واحدة، ففي بلد لا نفط فيه ولا صناعة لا أسواق ولا تجارة… فقط قليل من ​الزراعة​، تصبح المعادلة، انصياع مقابل النفط، وانتقال إلى ضفة الشرق مقابل المنتجات الأساسية، أما المشاريع الاستثماريّة في ​الطاقة​ والسكك الحديد وغيرها فلا وقت لها… الظروف لا تسمح بها، فالكرامة أولاً، والعزة ثانياً، والأكل ثالثاً».
غير أنّ أيّ إنسان بسيط يدرك أنّ هذا الكلام لا يعكس الواقع، للأسباب التالية…
السبب الأول، أنّ معادلة النفط مقابل الغذاء، التي طبّقت خلال حصار العراق، لا تنطبق على ما جرى من اتفاق مبدئي مع الوفد العراقي، يقضي بحصول لبنان على احتياجاته من النفط والفيول، مقابل أن يحصّل العراق ثمن ذلك منتجات لبنانية زراعية وصناعية ومنح تعليمية وخدمات صحية إلخ… وهو ما يؤدي إلى تحقيق نتيجتين إيجابيتين بالنسبة للبنان.
النتيجة الأولى، الحدّ من استنزاف ما تبقى من دولارات في ​مصرف لبنان​، وتقليص فاتورة الاستيراد…
والنتيجة الثانية، تصريف الإنتاج اللبناني الذي يعاني من صعوبة تصدير منتجاته… وهو ما ينعكس تنشيطاً للزراعة و​الصناعة​، وتحسين ​الوضع الاقتصادي​ وتوفير فرص عمل للعاطلين، واستطراداً تحسين الوضع المعيشي للبنانيين العاملين في القطاعات المنتجة، وهم يشكّلون شريحة كبيرة من الشعب…
السبب الثاني، وضع لبنان للمرة الأولى منذ أربعين عاماً على سكة إعادة تأهيل وبناء بناه التحتية المهترئة ولا تلبّي التطّور العمّراني والسكّاني ولا حاجات لبنان المطلوبة للنهوض الاقتصادي وتطوير قطاعه السياحي، الذي يعتمد على خدمات متطوّرة ومريحة… فعندما تقوم الشركات الصينية بتنفيذ مشاريع بناء معامل حديثة للكهرباء والنفايات، وإنشاء شبكة سكك حديد تصل المناطق اللبنانية بعضها ببعض وبالجوار العربي، فهذا سيكون له بكلّ تأكيد نتائج هامة على عدة مستويات…
مستوى أول، وضع وحدّ لأزمة اللبنانيين المزمنة مع تقنين الكهرباء وبالتالي التخفيف من الأعباء الضريبية عليهم بمجرد انتفاء الحاجة إلى دفع فاتورتين واحدة للمولد وأخرى للدولة…
مستوى ثان، إنّ تأمين الكهرباء 24/24 ينعكس إيجاباً على القطاع الصناعي والشركات بتقليص كلفة الإنتاج…
مستوى ثالث، إنّ حلّ ​مشكلة النفايات​ عبر إنشاء معامل حديثة، يُخلّص اللبنانيون من ​التلوث​ و​الأمراض​ الناتجة عنه، ويؤدي إلى تحويل النفايات إلى سماد وغاز وكهرباء…
مستوى رابع، إنّ إنشاء سكك الحديد ونفق بيروت ـ ​البقاع​ سوف يحدّ من هدر الوقت على ​الطرقات​ نتيجة زحمة السير الحالية، ويسهّل سرعة وحركة انتقال المنتوجات الزراعية والناس بين العاصمة والمناطق مما يخفض من كلفة الإنتاج، ويقود إلى الحدّ من استخدام السيارات، وإعادة انعاش الريف والحدّ من ​الهجرة​ إلى المدن الرئيسية وتمركز السكان فيها، لا سيما إذا تمّ النهوض بالزراعة وبناء معامل لتعليب المنتوجات الزراعية وصناعة ​السكر​ إلخ…
إنّ هذه النتائج المتوقع أنّ تتمخض عن التعاون الاقتصادي بين العراق ولبنان، وعن المشاريع التي ستنفذها الشركات الصينية، هو ما يجعل أميركا والقوى التابعة لها في حالة من الصدمة والارتباك والتخبّط، لأنّ الاتجاه شرقاً سيكسر الحصار الأميركي وينهي ورقة حرب الدولار ومحاولة استغلال الأزمة المعيشية والخدماتية التي تستخدم الآن لإخضاع اللبنانيين وحكومتهم، وتحرّر لبنان من الابتزاز الأميركي…
ولهذا فإنّ بدء الخطوات العملية في مسار التوجّه شرقاً أدّى سريعاً إلى انعكاسات إيجابية تجسّدت بتراجع سعر صرف الدولار من حوالى عشرة آلاف إلى ما دون الثمانية آلاف.. الأمر الذي يؤكد أنّ ارتفاع ​سعر الدولار​ ناتج عن حرب سياسية، وليس له علاقة بسعره الاقتصادي الحقيقي…
ولهذا من المتوقع مع وصول السلة الغذائية المدعومة من ​الدولة​ إلي الأسواق أن يتراجع تأثير سعر الدولار على الوضع المعيشي.. فكيف سيكون الوضع عندما يبدأ لبنان استيراد النفط والفيول من العراق، ويوقّع الاتفاقات مع الشركات الصينيّة، من المؤكد سوف يؤدّي ذلك إلى تراجع الطلب على الدولار…