الجميع يعلم ان ​واشنطن​ ما يهمها في منطقة شرق الأوسط وقبل كل شيء أمن ​إسرائيل​، ومن الطبيعي ان الأخيرة تهتم بالملف ال​لبنان​ي لقربه الجغرافي منها، وبالتأكيد انها لن تسمح للبنان "قوي وموحدّ". نجحت إسرائيل على جرّ ​الولايات المتحدة​ الى الحلبة اللبنانية السورية من بوابة "​قانون قيصر​"، الهدف منه اولاً واخيراً تقسيم ​سوريا​ ولبنان، او في افضل الإحتمالات تغيير ​الرئيس السوري​ ​بشار الأسد​، مع الإبقاء على نظامه، واستنساخ التجربة ​العراق​ية في العرقية والطائفية التي أضعفته ودمرته لتطبيقها في سوريا ولبنان.

دبلوماسية ال​عقوبات​ التي تمارسها ​أميركا​ وآخر مظاهرها "قانون قيصر" لها أبعاد إقليمية، فقد تؤدي إلى تحويل العديد من الدول الهشّة بالمنطقة مثل لبنان، إلى دول فاشلة تهدّد ​الأمن​ الإقليمي والدولي، فمن التداعيات الاقتصادية لقانون قيصر، تعميق الإنهيار ​الإقتصاد​ي في لبنان واحداث فوضى داخلية، وفرض عقوبات أميركية قد تطال شخصيات ومؤسسات مالية رسمية وغير رسمية لبنانية، وقد تتفجر الأوضاع في لبنان قبل سوريا.
ولا نعلم حقيقة الأمر، هل نُدين لهذا الإعتراف الخطير بعدم إقدام الولايات المتحدة على إزالة نظام سياسي ديكتاتوري؟ أمّ نحترم هذا الموقف الأميركي؟
الحقيقة أن تعديل سلوك نظام متهم بـ"ارتكاب جرائم ضد شعبه"، يعني أن يتعاون مع الشرعية الدولية والإتفاقيات الدولية ذات الصلة، وفي الحالة السورية أن يوافق الأسد على مقررات جنيف 1، والتي تهدف إلى إحداث تغيير سياسي، وإجراء إنتخابات جديدة، وإطلاق المعتقلين السياسيين، والسماح بالتظاهر السلمي واحترام ​حرية التعبير​.
الدباجة الأميركية هي كالتالي: لم تكن ​الولايات المتحدة الأميركية​ بحاجة إلى صور تثبت تلك الحقائق الدامغة، وأعني الـ 55 ألف صورة لمواطنين ماتوا تحت التعذيب والتجويع في سجون ومعتقلات ​النظام السوري​، سلّمها المصوّر العسكري السوري المنشق إلى المشرعين الأميركيين، والتي على ضوئها أصدروا "قانون قيصر سوريا للحماية المدنية".
فكانت الدباجة الأميركية خطة واضحة في قانون قيصر لتقسيم المنطقة وتعويم إسرائيل والحفاظ على سيادتها ملحقة بالعنوان العريض الا وهو "​صفقة القرن​" الشهير .
الخلاصة تبين ان لبنان المستهدف الأول كساحة ضغط وتفاوض وصفقات وتسويات، بعد تصريح ​وزير الخارجية​ الأميركية ​مايك بومبيو​ الأخير، حول موقف واشنطن من مساعدة لبنان في أزمته المالية، والحوار مع ​إيران​. ويشترط ان بلاده مستعدة لدعم ​الحكومة اللبنانية​ إذا نفذت إصلاحات حقيقية، وعملت بطريقة "لا تجعلها رهينة ل​حزب الله​"، حسب تعبيره.
الأميركيون يريدون بالقانون رفع اليد الروسية والإيرانية عن الأسد بحجة انه لم يعد بالإمكان الوقوف معه في "قواعد تحكم جولة جديدة من الصراع"، فحلفاء سوريا الإقليميون والدوليون، يجمعون على أنها ستكون جولة خاسرة، آتية هذه المرة بسلاح الإقتصاد والحصار والتجويع.
وعلى أبواب ​الإنتخابات الرئاسية الأميركية​، فكما تعودنا على هذا المشهد السياسي الديماغوجي بإحداث خضّة ما في المنطقة كـ "قانون قيصر" ، لربما تعطي الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ بصيص أمل لفوزه مرة جديدة، بعد سقوطه داخلياً، في بداية الأمر بأزمة ​فيروس كورونا​، والثانية في التداعيات الإقتصادية لهذه ​الأزمة​ في الولايات المتحدة، ولا سيما بعد إرتفاع عدد العاطلين عن العمل بثلاثة ملايين و300 ألف شخص، وخارجياً في زيادة خطر الحرب، ودفع إيران إلى إعادة تشغيل برنامجها النووي تدريجياً، وإستفز العراق لمطالبة الولايات المتحدة بالإستعداد لمغادرة أراضيها ما أثار فزع الحلفاء في ​أوروبا​، وجعل ​روسيا​ و​الصين​ تبدوان وكأنهما تعملان لدى إدارة ترامب بمزاجيته الخاصة .