أشار الوزير السابق ​سجعان قزي​، في حديث لـ"النشرة"، إلى أن الصحافة توقفت عند فقرة واحدة من عظة ​البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي​، يوم الأحد الماضي، في حين أنّها لم تكن موجّهة ضد ​رئيس الجمهورية​ العماد ​ميشال عون​، بل كان الراعي ينقل وجع المواطنين والضيقة التي يشعرون بها من الحالة ال​لبنان​ية، وفي هذا الإطار توجه إلى رئيس الجمهورية و​الأمم المتحدة​ والدول الصديقة، وبالتالي التوجّه نحو عون لم يكن عدائياً بل وضعه في الإطار العام.

ولفت قزّي إلى أنّ الراعي تحدّث عن ضرورة أن يكون قرار الشرعية اللبنانية حراً، وليس خافياً على أحد أنه لو كانت الظروف مختلفة ربما كان ​الرئيس عون​ قد أقدم على مبادرات وقرارات أخرى، ومواقف مختلفة عن تلك التي تتخذها الدولة على الصعد الأمنية والسياسية والإقتصادية، ومن زاوية حثّ رئيس الجمهورية على ممارسة الحكم وتطبيق خطاب القسم والدستور دعا البطريرك الماروني إلى رفع الحصار المفروض على الشرعيّة والقرار الوطني، معتبراً أن البعض توقف عند هذه الكلمة فقط كي يسعى إلى تكبير التباين بين الراعي وعون، في حين أن الأول لم يكن في يوم إلا إلى جانب الشرعية في لبنان.
أما بالنسبة إلى دعوة البطريرك الماروني الدول إلى نجدة لبنان، أوضح قزي أن هذه ثابتة في ​تاريخ لبنان​، سواء كان الأمر يعجبنا أو لا، لافتاً إلى أنه على المستوى الشخصي لا يعجبه هذا الواقع، أيّ أن يكون لبنان، منذ القرن السابع عشر حتى اليوم، كل أزماته تمت معالجتها بمساعدة دول صديقة، وبالتالي عندما يبرز ​اللبنانيون​ عجزهم عن حل قضاياهم، سواء في ​المجلس النيابي​ أو في حوار وطني أو إجتماع في بعبدا، رغم كل الظروف التي يمرون بها، لم يعد أمام البطريرك الماروني إلا أصدقاء لبنان، لا سيّما أن جزءاً كبيراً من الأزمة أسبابه خارجية وليس داخلية، ومن هنا جاء النداء الثالث إلى الأمم المتحدة، بالنسبة إلى إعلان حياد لبنان.
وشدّد قزي على أن هذه الدعوة لم تأتِ عن عبث ولا موجهة ضد فريق محدد في الداخل، "لكن بعد 100 عام على ولادة لبنان تبين أن جميع مشاكلنا ناتجة عن إنحيازنا إلى الخارج، المسيحيون في السابق إلى فرنسا ولاحقاً السنّة إلى مصر و​سوريا​ والخليج والشيعة لسوريا ثم إيران"، معتبراً أن "الجميع لديه خطيئة الإنحياز، وإذا أردنا البقاء 100 سنة جديدة بهذا الإنحياز لن نكمل الـ100 سنة الأولى"، معتبراً أنه "من هنا جاء طرح الراعي فكرة الحياد اللبناني كي تبقى الصيغة، لأنّ الشركة والإستقلال لا يمكن أن يستمرا من دون إستقرار، إذ من الصعب حصوله من دون حياد، لأن عدم الإستقرار ناتج عن الصراعات التي ندخل فيها منذ ولادة لبنان"، مضيفاً: "الراعي يدرك جيداً أنّه لا يمكن تطبيق الحياد في حال عدم وجود موافقة من الأكثريّة الساحقة من اللبنانيين".
ورداً على سؤال، أشار قزّي إلى أن البعض يظنّ أن المسيحيين يطرحون اليوم الحياد لأنّ وضعهم ضعيف، في حين أنه عندما كانت كل الدولة بيد الموارنة والمسيحيين وكانت ​المارونية السياسية​ بعزها، طرح المسيحيون موضوع الحياد في الخمسينات والستينات، وبالتالي طرحه اليوم ناتج عن تغير هوية وميزان وصيغة ونظام لبنان، وخوفاً من ذهاب ما تبقى من توازن، موضحاً أنه في السابق لم يحمل أحد الحياد كمشروع بل كان يطرح بشكل أكاديمي، معتبراً أن هذا المشروع، الذي من الصعب تطبيقه نتيجة عدم وجود إجماع حوله، يستحق خوض معركته، والسعي إلى إقناع اللبنانيين به، لا سيما أن جميع الأطراف تعبت من الحروب ومن الإنحياز، بينما الحياد يمثل تقاعداً من صراعات المنطقة.
وأعرب قزي عن إعتقاده بأن الراعي يحضّر لمذكّرة حول موضوع الحياد وسيطرحها بشكل موضوعي ووطني على جميع القوى في لبنان قبل طرحه على أي جهة أخرى، ولديه توجه لحمل هذا المشروع إلى الدول الصديقة، عبر سفرائها في لبنان أو عبر زيارات من الممكن أن يقوم بها عندما تتحسن الأوضاع الصحّية، لافتاً إلى نيّة لزيارة الفاتيكان خلال الشهر الجاري مبدئياً، وموضوع الحياد، الذي لدى الفاتيكان العطف عليه، سيكون مطروحاً، قائلاً: "في لبنان لم نعد قادرين على إستكمال حياتنا المشتركة من دون اللامركزية والحياد".
ورداً على سؤال آخر، اعتبر قزي أن البطريرك الراعي لا يستطيع أن يتفرد بطرح الحياد وفرض تنفيذه، ولا أي طائفة أخرى قادرة على التفرد بطرح أي مشروع آخر، لافتاً إلى أنه في المقابل لا يمكن لـ"حزب الله" أن يبقى متفرداً برفض كل شيء، سواء رفض وجود جيش واحد أو وجود قرار وطني واحد أو الحياد أو اللامركزية، مؤكداً أنه مكون أساسي وبنيوي في لبنان ومفيد للتعددية اللبنانية، لكن لا يمكن إختصار الجميع برأيه، وبالتالي عليه أن يتعاطى مع اللبنانيين بطريقة أخرى، وهو مضطر، عاجلاً أو آجلاً، أن يعدّل في خطابه وفي مقاربته للقضايا الوطنية، فليس هناك من سلاح أو إنتصار أبدي بل هناك السلام الدائم والتعايش الدائم والوطن الدائم.
وأشار قزي إلى أنه من دون التقليل من أهمية موقف البطريرك الراعي، إلا أن الأخير لم يكن وارداً في ذهنه إعلان بيان أو إطلاق حركة سياسية أو حزبية، بل كان يلقي عظة تتضمن فكرة تتعلق بالقضايا الوطنية، لكنه لفت إلى أنه في مرحلة لاحقة قد يصدر بياناً مستفيضاً حول القضايا المصيرية، إلا أنّ الأكيد ليس في ذهنه لا 14 آذار جديدة ولا 8 آذار جديدة ولا بريستول جديد أو أي شيء آخر، وهو لا يتعاطى بالسياسة اليومية ولا يدخل في اللعبة الحزبية، بل لديه معيارا واحدا هو لبنان، بدليل أنه تعرض لإنتقادات من جميع الأفرقاء في مراحل مختلفة، وبالتالي موقفه غير متغير إنّما ثابت على المعيار اللبناني، في حين أن لدى القوى السياسية معيارها الّتي لا تدخل ضمن معادلة البطريرك الماروني عندما يقرر إتخاذ موقف، وبالتالي العظة عظة وليست بِبَيان أو إعلان مرحلة سياسية جديدة، بل هي من ثوابت بكركي التي يتحدث عنها دائماً، متوقعاً أن الأهمية التي أعطيت لها، في هذه المرحلة، تعود إلى الوجع الكبير لدى المواطنين، في ظل غياب القيادات والأحزاب السياسية خصوصاً في الوسط المسيحي، وبالتالي اعتبروا العظة بمثابة بيان أو مرحلة جديدة.