بعد "ابتعادٍ" عن لبنان رصدته الأوساط السياسيّة بوضوح على امتداد الأشهر الماضية، ولا سيّما بعد تشكيل حكومة حسّان دياب، عاد "الحراك" الدوليّ ليتكثّف على خطّ لبنان خلال الأيام القليلة الماضية، وخصوصاً على المستوييْن الأميركي والفرنسي.

فبموازاة زيارة قائد القيادة الأميركية الوسطى (سنتكوم) الجنرال كينيث ماكينزي، والتي حُمّلت الكثير من الأبعاد والتفسيرات، كان ​وزير الخارجية​ الأميركي ​مايك بومبيو​ يطلق مواقف "مباشرة" حول الوضع اللبنانيّ، ولو وضعها كثيرون في خانة الردّ على التصريحات الأخيرة للأمين العام لـ "​حزب الله​" ​السيد حسن نصر الله​، والتي رفع فيها السقف مع الأميركيين إلى حدّه الأعلى.
وعلى مسافة ساعاتٍ من كلام بومبيو، خرج وزير الخارجية الفرنسي ​جان إيف لودريان​ بخطابٍ "لبنانيّ الطابع"، خرج بدوره عن العُرف الفرنسيّ القائم منذ عقود على "تفهّم" ما تُسمّى "الخصوصيّة" اللبنانيّة، ليحمل بين طيّاته "ضغطاً" مضاعفاً على الطبقة السياسية اللبنانية، ولو غلّفه بإطار "الحزن والقلق" على ما آل إليه الوضع في لبنان.
وبين هذا وذاك، ثمّة من يسأل عن "خلفيّات" الحراك الدوليّ المُستجِدّ تجاه لبنان، وبشكلٍ أكثر تحديداً، عن "الرسالة" التي يريد ​المجتمع الدولي​ إيصالها اليوم إلى المسؤولين اللبنانيين، باختلاف "الأجندات"...

"ساعدونا لنساعدكم"؟!

يختصر البعض موقف المجتمع الدولي من لبنان بمعادلةٍ بسيطة بدأ ترسيخها منذ مؤتمر "سيدر" الشهير، والذي بقيت نتائجه حبراً على ورق بعد مرور أكثر من سنتين على انعقاده، وعنوانها "ساعدونا لنساعدكم".
يقول أصحاب هذا الرأي إنّ المجتمع الدولي كان واضحاً منذ مؤتمر "سيدر" بأنّ نيّة المساعدة للبنان لتجاوز مأزقه الصعب موجودة، ولكن بأنّ هذه المساعدة "مشروطة" بالإصلاحات، حتى لا تُستخدَم الأموال التي تُمنَح للبنان في غير موضعها، كما كان يحصل دائماً، فتكون "حُجّة" للمزيد من ممارسات ​الفساد​، التي يتفنّن بها ​اللبنانيون​، وبالتالي تكون سبباً لمضاعفة مرارة الأزمة، بدل أن تكون عنصراً مساهماً في الحَلّ.
وإذا كانت "انتفاضة" السابع عشر من تشرين التي اندلعت بعد "سيدر"، عزّزت وجهة النظر الدولية هذه، باعتبار أنّ اللبنانيّين أنفسهم "ثاروا" على النهج المُعتمَد من قبل ​السلطة​ السياسيين، مع تسجيل مفارقة توجيه بعض المتظاهرين "مناشدات" إلى المجتمع الدولي بعدم إرسال أيّ "دعم" يُستخدَم حصراً في سبيل "إغناء" السياسيين المنتفعين نفسهم أكثر وأكثر، فإنّ "المشكلة" الحقيقية تكمن في أنّ الإصلاحات الموعودة بقيت بعد سنتين من المؤتمر مجرّد "حبر على ورق"، ولم يُنفَّذ منها شيء لا في حكومة سعد الحريري السابقة، ولا في حكومة حسّان دياب الحاليّة.
لكن، أبعد من البُعد الاقتصادي الإصلاحي، وعلى أهميته، ثمّة من يتحدّث عن بُعدٍ سياسيّ واضح في "الحراك" الدولي، وهو ما يفسّر أصلاً "الاستنفار" الحاصل على خطه في هذا الوقت بالتحديد، وبعد بدء النقاش اللبناني الجدّي بخياراتٍ موازية، على غرار "الانفتاح شرقاً"، علماً أنّ هناك من يرى أنّ مشكلة المجتمع الدولي مع لبنان لا ترتبط حقيقةً بالإصلاحات المزعومة، بقدر ما تكمن في واقع "حزب الله"، الذي يشكو الأميركيّون صراحةً من أنّه "يسيطر على الحكومة"، بل يشترطون "إزاحته" منها لدعم لبنان، كما فعل بومبيو في تصريحاته الأخيرة، بشكلٍ واضحٍ ولا يحتمل أيّ لبس.

إغلاق "سياسيّ"!

هكذا، يرى كثيرون، خصوصاً من المحسوبين على الحكومة الحاليّة، أنّ موقف المجتمع الدوليّ من لبنان ليس "بريئاً"، وأنّ الحديث المتكرّر عن "إصلاحات" ليس سوى "ستار" يُستخدَم في بعض الأحيان لـ "التعمية" على المشكلة الحقيقية، والمتمثّلة بـ "حزب الله" بالدرجة الأولى.
وقد تكون وزيرة الدفاع زينة عكر خير من عبّر عن هذه "الفرضيّة" حين قالت صراحةً قبل فترة، إنّ المجتمع الدولي "مُغلَقٌ" في وجه الحكومة، معلّلة ذلك بـ "السياسة" أولاً وأخيراً، بعيداً عن حديث رئيس الحكومة المتكرّر عن "مؤامرات" و"أبواق سوداء" وكلّ ما يمتّ إلى هذا الحقل المعجمي بصلة، والذي بات "منفّراً" للبعض، حتى من داعميه، حتى لو كان صحيحاً في جزءٍ منه.
ويتوقّف مؤيّدو هذا الرأي عند سلسلة "مفارقات" تطبع تصريحات المسؤولين الدوليين أخيراً، قد يكون أكثرها وضوحاً ما قاله الجنرال ماكينزي على هامش زيارته للبنان، عن "تطلّعه" لليوم الذي لا تتعرّض فيه إسرائيل لأيّ "تهديد من جيرانها"، وقبله بومبيو حين قال بصراحةٍ منقطعة النظير أيضاً، إنّ بلاده مستعدّة لدعم أيّ حكومةٍ، ولكن بشرط أن تكون بعيدة عن سيطرة "حزب الله"، وهي تصريحاتٌ قد لا تكون الأولى من نوعها، كما أنّه سبق للأميركيّين وغيرهم أن تجاوزوها من باب "الخصوصيّة"، لكنّها تكتسب هذه المرّة أهمية مضاعفة نظراً للواقع الحاليّ، ما يجعل البعض يقول إنّ ثمّة في المجتمع الدولي من يريد عملياً "إخضاع" لبنان، كمقدّمة لـ "إنقاذه" من الكارثة التي يتخبّط بها.
لكن، بعيداً عن "تسييس" الحراك الدولي، وهو ما قد يكون دقيقاً في جزءٍ منه، ثمّة من يسأل عمّا فعلته الطبقة السياسية أصلاً في المواجهة، وعن "الإصلاحات" التي نفّذتها، طبقاً لوعودها بالحدّ الأدنى، حتى "تشكو" أنّ المجتمع الدوليّ مُغلَقٌ في وجهها ولا يتجاوب معها. وثمّة من "يسخر" في هذا السياق من كون الحكومة اعتقدت أنّها بتعيينها مجلس إدارة ​مؤسسة كهرباء لبنان​ مثلاً، حقّقت "إنجازاً تاريخياً"، فإذا بها تُفاجَأ بأنّ شيئاً لم يتغيّر في النظرة الدولية إزاءها، تماماً كما حصل سابقاً مع التعيينات المالية وغيرها، والتي وقعت جلّها في خانة "المحاصصة" التي أفقدتها الجوهر الذي بنيت عليه، وجعلت الحكومة مجرّد "ناسخٍ" لأسلوب الحكومات المتعاقبة التي يقول دياب مراراً وتكراراً إنّها السبب في إيصال البلاد إلى ما وصلت إليه.

بدل البكاء على الأطلال!

ليس خافياً على أحد أنّ إسقاط حكومة حسّان دياب بات عنواناً أساسياً لتعاطي المجتمع الدولي مع لبنان، لأسبابٍ واعتباراتٍ كثيرة، يتفاوت تقديرها وفقاً للانتماء السياسيّ.
فهناك من يعتبر إسقاط هذه الحكومة أمراً بديهياً بعدما تخطّت "مهلة السماح" التي منحتها لنفسها، وعجزت عن تقديم أيّ "نموذج" مختلف وفريد كما وعدت، بل أصبحت "استنساخاً" لما سبق من حكومات غلّبت مصالح مكوّناتها الخاصة على المصلحة العامة، وعمّقت الأزمة أكثر وأكثر، وإن لم تكن تتحمّل المسؤولية الكاملة عن تفاقمها.
وهناك من يعتبر في المقابل أنّ الهدف من رفع شعار إسقاط الحكومة سياسيٌ بامتياز، وأنّ أيّ حكومةٍ جديدةٍ ستُلاقي المصير نفسه، طالما أنّ المجتمع الدولي لا يريد عملياً سوى "إقصاء" فريق لبنانيّ وازن من المشهد السياسيّ الداخليّ، وإذا ما تحقّق هذا الهدف، يصبح كلّ شيءٍ آخر "يسيراً"، وتعود المساعدات لتُضَخّ، بمُعزَل عن أيّ "إصلاحات".
ثمّة وجهة نظر في "المنطقين"، لكن بدل البكاء على أطلال مجتمع دوليّ "يتعمّد" تضييق الخناق على لبنان، إذا ما صدقت "الشكاوى الحكوميّة"، قد يكون المطلوب من الرحيل الانصراف إلى تحقيق ما وعدت به، أو الرحيل من تلقاء ذاتها.