يُلقَّبُ الجبلُ المُقدَّس ( Aγιον Oρος Oρος الجبل و Aγιον مقدّس) في آثوس، في شمالِ اليُونان، بِحديقةِ والدةِ الإله، ومِن معاني كلمة حديقة: أَرضٌ ذاتُ شجرٍ مثمرٍ يُحيطُ بِها سُورٌ.
فهذا الجبلُ حديقةٌ جمعَت زُهورًا، "رهبانًا"، مِن مُختلَفِ الكنائسِ الأُرثوذكسيّةِ في ​العالم​. والثِّمارُ فيها هي القداسة، أمّا السُّورُ فهو النَّباهةُ واليَقَظةُ والتَّوبةُ والصَّلاةُ والمَحبَّةُ والمُسامَحة، كلُّ ذلكَ كي لا تَدخُلَ الخَطيئَةُ إلى حديقةِ القداسةِ هذه، وينفُثَ الشِّرّيرُ فيها سُمومَهُ ويُخرِّبَ زَرعَ الله.
الحياةُ في هذا الجبلِ تَبدأُ عندَ السَّاعَةِ الثَّانيةِ صَباحًا، كمُعدَّلٍ عام، لِتِلاوَةِ القَانُونِ الشَّخصيِّ لِكُلِّ راهب. وهُناكَ أديارٌ لا تَنقَطِعُ فيهَا الصَّلاةُ بَتاتًا، إذ يَتَناوَبُ الرُّهبَانُ على الصَّلاةِ الهُدُوئيَّةِ "يا ربّي ​يسوع المسيح​ ارحمني أنا الخاطىء"، وذلكَ على مَدارِ السَّاعة. فحتَّى في وقتِ الطَّعامِ، يقرأ أحدُ الرُّهبانِ سِيَرَ القِدِّيسينَ كي لا يكون القوت جسديًّا فقط.
وكلَّما التقى شخصان هناك، تكونُ تحيَّتُهُم: "إفلوييتي Ευλογείτε" أي "باركوا"، والجوابُ على هذه التَّحيّة: "أو كيريوس Ο Κύριος" أي "السيّد" بمعنى "السيِّدُ المَسيحُ هُوَ الذي يُبارِك".
الرَّبُّ يسوعُ حاضِرٌ دائمًا في كلِّ تَفاصيلِ حَياتِهم، وكُلُّ تَغافُلٍ مَمنُوع، وكُلُّ استِرخَاءٍ مَرفُوض. جِهادٌ دائِمٌ وتَأَهُّبٌ إلى أقصى دَرجَاتِ الحِيطَةِ والحَذَر، وحربٌ ضَروسٌ لا تعرِفُ الرَّحمة. إمَّا أن تَطرُدَ الشِّريرَ وكُلَّ ملائِكَتِهِ السَّاقِطَة، وتتجنَّبَ ألاعيبَهُ وفِخاخَه، وإمّا أن يُسقِطَكَ بِالضَّربَةِ القَاضِية، ويأخُذَكَ فَريسَةً إلى جَهنَّم، حيثُ الجَفاءُ وعَدمُ المَحبَّةِ واللّارحمة هي السَّائدة.
ففي الظُّلمةِ المُستَمِرَّةِ لا تلتقي الوُجوهُ، إذ كُلُّ فردٍ في الجَحيمِ يُديرُ ظَهرَهُ للآخَر. لا لقاءَ بَينَ البَشرِ في مَملكَةِ الشَّيطان، لأن اللّقاءَ مع الله مَفقود. فَليسَ اللهُ الَّذي قَطَعَ العلاقَةَ، بَل مَن عشِقَ الخطيئةَ هُوَ الَّذي قَطَعَ الوِصالَ مَعَ الخَالِق، وأصرَّ على هذا الرَّفضِ، وحصَّنَهُ بِأهوائهِ المُعيبَة، وامتَنَعَ الرُّجُوعَ عنها. مِن هُنا يَقُولُ الآباءُ القِدِّيسونَ: ليسَتِ الخَطيئَةُ هي الّتي تُبعِدُنا عَنِ اللهِ، بلِ الإصرارُ علَيها، لأنَّ التَّوبَةَ تَمحُو الخَطايا، وإن كانتْ خطايَانا كَالقِرمِزِ يَجعلُها اللهُ بَيضاءَ كالثَّلجِ إن حقًا رَجَعنا عَنها(إشعياء ١٩:١).
ومَن زارَ الجبلَ تَستَوقِفُهُ قِطعةٌ خَشبيَّةٌ الـ Talando يَضرِبُ عليها راهِبٌ إعلانًا للصَّلاةِ، ويَدُورُ بِها في الممرَّاتِ وهُوَ يَطرِقُ عَليها بمِطرَقَةٍ خَشبِيَّةٍ عَلى نَغَمٍ مُعيَّن. وهي تَرمُزُ إلى نُوحَ عِندمَا طَرقَ على خَشَبَةٍ لِدُخولِ السَّفينَةِ، والَّتي تُشيرُ اليومَ إلى الكَنيسةِ أي الخَلاص. هَكذا يَستَيقِظُ الرُّهبانُ إلى الصَّلاة، ويُنهُونَ نَهارَهُم بِالصَّلاة. والعَمَلُ أثناءَ النَّهارِ مُترَافِقٌ بِالصَّلاةِ الدَّاخِليَّةِ أيضًا.
إستوطَنَ الرُّهبانُ هَذا الجَبلَ بدءًا مِن عام ٨٥٠م وقبل، ولكنَّ الحياةَ الرُّهبَانِيَّةَ المُنَظَّمةَ، بدأت فيه فعلاً عام ٩٦٣م معَ القِدِّيسِ أثناسيوسَ الآثوسيِّ، الّذي بِمُساعَدَةٍ مِنَ الإمبراطُورِ نِيكيفُورُوس الثَّاني فُوكاس، أسَّسَ أوَّلَ ديرٍ في آثُوسَ ودُعِيَ اللّافرا الكبير.
ومَعَ حُلولِ عام ١٤٠٠م، بَلَغَ عددُ الأديِرَةِ في آثُوسَ قُرابَةَ الأربعِينَ ديرًا لم يبقَ اليومَ إلاّ نِصفُها، إذ تعَرَّضَ الجَبلُ للاضطَّهادِ مَعَ استيلاءِ الإمبراطُورِيَّةِ العُثمانِيَّةِ على تَسالونِيكي عام ١٤٣٠م.

​​​​​​​
لدى الجَبلِ اليَومَ حاكِمٌ تُعيِّنُهُ وِزارةُ الخَارِجِيَّةِ اليُونَانيَّةُ، ولكنَّ الإدارَةَ الفِعلِيَّةَ فيهِ هِي للمَجمَعِ المُقَدَّسِ في عاصِمَةِ الجَبلِ كارياس Karyes، والذي يَضُمُّ أعضاءَ يُمثِّلونَ جَميعَ أديرَةِ الجَبلِ العِشرين.
بالإضافَةِ إلى الأَديارِ الأساسِيَّةِ في الجَبل، هُناكَ عددٌ مِنَ الأساقِيطِ والقَلالي تَابعةٌ لديرٍ مُحَدَّدٍ، تَجمَعُ عددًا مِن الرُّهبانِ تَحتَ إشرافِ أبٍ رُوحِيّ. إذ يُشَدِّدُ اللّاهوتُ الأُرثوذُكسيّ عَلى حياةِ الشَّرِكَةِ حتّى لِمَن يَتَنسَّكُونَ، إذ يَبقَونَ على صِلَةٍ بِالدَّيرِ الأُم.
المرأَةُ الوَحيدَةُ الّتي تَدخُلُ الجَبلَ المُقَدَّسَ هي وَالِدةُ الإلَه، وهُناكَ أيقُونَةٌ تُظهِرُ والِدَةَ الإلهِ تَقِفُ فَوقَ الجَبلِ وتِلالِه، معَ أنًّ الجَبلَ أوى لاجِئِينَ بَينَهُم نِساءٌ مَرَّتين في تاريخِهِ، وذلك في أعقابِ ثَورَتَين عام ١٧٧٠م و١٨٢١م، كما لَجأ إليهِ بعضُ اليَهُودِ الرِّجال مِن مَدينةِ تِسالُونيكي، إبَّانَ الحربِ العَالَميَّةِ الثَّانية، رُغمَ أنَّ هِتلر كان قد وضَعَ جُنديًّا على كُلِّ دَيرٍ دُونَ التَّعرُّضِ للحَياةِ الرُّهبَانِيَّة.
كُتُبٌ كثيرةٌ، وشَهاداتٌ عديدةٌ قِيلَت في هذا المَكانِ المُقدَّس، حيثُ "السَّماءُ هي على الأَرض"، ويَبقى أن نُطَبِّقَ ما قالَهُ الرَّبُّ يسوعُ المَسيحُ لتِلميذَي يُوحنّا: "تعالَيا وأنظُرا(يو٣٩:١)".
ويُطِلُّ علَينَا هذا الأَحدَ وجهٌ مُنيرٌ مِن آثُوسَ، وهُوَ القَدَّيسُ باييسيوس الأثوسي (١٩٢٤-١٩٩٤م) الّذي أُعلِنَت قداستُهُ بتاريخ ١٣-١-٢٠١٥، ويُعَيَّدُ لَهُ في ١٢ تمّوز.
لَمعَ اسمُ هذا القِدِّيسِ المُعاصِرِ كَالبَرق، إذ يَحضُرُ سَهرانيَّتُهُ حوالى خَمسُونَ ألفَ شَخصٍ، ويَزُورُ قَبرَهُ في اليَومِ التَّالي، والمَوجُودَ في دَيرِ القِدِّيسِ يُوحنَّا اللّاهوتِيّ في "سُوروتي"، حوالي ١٢٠٠٠٠ شَخص.

​​​​​​​
أصبَحت كَلِماتُ هَذا القِدِّيسِ وحِوارَاتُهُ كَقُوتٍ يَومِيٍّ للمُؤمِنِين، وهُوَ الإنسانُ البَسيطُ المُتواضِعُ الّذي كانَ يُرَدِّدُ دائمًا على مَسامِعِ زائريهِ "مَن أتيتُم تَزورُونَ؟ أنا لا شَيء".
تُرى ما سِرُّ قداسَتِه؟ ولِماذا أصبَحَ تِلكَ القَامَةَ الرُّوحِيَّةَ المُعَلِّمَة، وهُو ذو مُستوىً أكاديمِيٍّ مُتواضِعٍ جدًّا جدًّا؟ الجَوابُ في الصَّلاةِ والبَساطَةِ ونَقاوَةِ القَلبِ، والإيمانِ الثَّابِتِ والمُثَابَرة.
ومَن عَرَفَهُ عَن كَثَبٍ يشهَدُ ويَقُول: كان مَليئًا بِالمَحبَّة، وتَخرُجُ الكَلِمَاتُ مِن فَمِهِ مِثلَ المِياهِ الجَارِيَةِ في نَهرٍ فَيَّاض، ومَن قرأهَا ذاقَ طَعمًا أشهَى مِنَ العَسَل.
فهلّا سِرنا جميعًا إلى القداسَة؟.