يُجمع الكثير من المُحلّلينعلى أنّ ​لبنان​ لن يستطيع الخُروج من أزمته الحاليّة، من دون مُساعدة خارجيّة، حتى لوّ أطلق أفضل وأسرع خُطّة إصلاح مُمكنة. لكن، وفي ضوء التحرّكات والمواقف الدَوليّة المُتزايدة تجاه لبنان، هل يُمكن الحديث عن مُحاولات لتعويمه أم لإغراقه؟!.

لا يُمكن وضع التحرّكات والمواقف الدَوليّة في سلّة واحدة على الإطلاق، فلكل دولة، قريبة كانت أم بعيدة، صديقة أم غير حليفة، عربيّة كانت أم غربيّة، مصالحها وإهتماماتها ورؤيتها وأولويّاتها، إلخ. ولعلّ بعض الدول تُمثّل مَفاتيح لمجموعة من الدول الأخرى، كما هي الحال مثلاً بالنسبة إلى الولايات المُتحدة الأميركيّة التي تؤثّر مواقفها على العديد من الدول الغربيّة وحتى العربيّة التي تدور في فلكها، و​فرنسا​ التي تؤثّر مواقفها على الكثير من دول ​الإتحاد الأوروبي​، إلخ.
ومن المُلاحظ أنّ الإدارة الأميركيّة رفعت أخيرًا مُستوى إهتمامها بلبنان، ليس حُبًا ببلاد ​الأرز​ بقدر ما هو حفاظًا على مصالحها ومصالح حلفائها في ​الشرق الأوسط​. وكان لافتًا حديث وزير الخارجيّة الأميركيّة ​مايك بومبيو​ الأخير، بأنّ "​الولايات المتحدة​ ستُساعد لبنان على الخروج من أزمته، طالما أنّ لبنان لا يتحوّل إلى دولة وكيلة ل​إيران​". وبالتالي إنّ هذا الشرط المُتمثّل في كلمة "طالما" يصبّ في خانة الضُغوط الأميركيّة، لمنع سُقوط لبنان كليًا تحت قبضة "​حزب الله​"، وهو ما تعتبره ​واشنطن​ أمرًا مرفوضًا على مُختلف المُستويات، لأنّه يُعزّز موقف إيران التي تخوض مُواجهة شرسة مع ​أميركا​، ويُمكّن النظام السُوري من التفلّت أكثر من إرتدادات العُقوبات الأميركيّة المَفروضة عليه، وآخرها "​قانون قيصر​"، ولأنّه أيضًا يُعرّض أمن ​إسرائيل​، الحليفة الرئيسة لأميركا في المنطقة، لمخاطر أمنيّة كبرى. والمُشكلة بالنسبة إلى لبنان تتمثّل في أنّ من شأن تداخل ​السياسة​ ب​الإقتصاد​، أنيحجب أيّ مُساعدات خارجيّة، بحيث لا تعود هذه المُساعدات مربوطة بسلّة إصلاحات وإجراءات إقتصاديّة مَطلوب من لبنان تنفيذها، بل بأهدافوبغايات سياسيّة على لبنان الإمتثال لها. وإذا كانت الدائرة الضيّقة التي تُحيط "حزب الله" لن تتأثّر بالضُغوط الأميركيّة -كما أكّد أمين عام "الحزب" السيّد ​حسن نصر الله​، فإنّ هذه الضُغوط تطال ​الدولة​ اللبنانيّة وكل حلفاء "حزب الله"، وفي طليعتهم "التيار الوطني الحُرّ"، في مُحاولة لدفعهم إلى إعادة حساباتهم.
والمُفارقة أنّه وفي حين أنّ واشنطن تضغط على لبنان، لتعديل سياسته الإقليميّة،ولتشكيل حُكومة جديدة من دون "حزب الله"، وتحثّ دول العالم على تصنيف هذا الأخير "مُنظّمة إرهابيّة"، وتفرض العُقوبات على كل من يتعاون معه، فإنّها مُصمّمة على إبقاء تواصلها مع ​الجيش اللبناني​، والذي تمثّل أخيرًا بزيارة قائد المنطقة الوسطى في ​الجيش الأميركي​، كينيث ماكينزي، إلى لبنان حيث لقي ترحيبًا رسميًا من القيادات التي إلتقاها. وبحسب المَعلومات المُتوفّرة، فإنّ واشنطن لن تُوقف المُساعدات العسكريّة للجيش، على الرغم من بعض التصاريح التي تُلوّح بوقفها من باب التهديد لا أكثر، علمًا أنّ قائد الجيش ​العماد جوزيف عون​ حريص بدوره على إستمرار الدعم الأميركي العسكري للجيش، طالما لا يُوجد أيّ مصدر رديف آخر لتطوير قُدرات الجيش القتالية في المرحلة الراهنة.
من جهة أخرى، من المُنتظر أن يُجري وزير الخارجيّة الفرنسيّة ​جان إيف لودريان​ الذي أبدى حزنه وقلقه الشديد بشأن الوضع في لبنان، وخيبته من عدم إطلاق الإصلاحات فيه بعد، مُحادثات مع عدد من كبار المسؤولين اللبنانيّين في ​بيروت​ نهاية الأسبوع الحالي، تحت شعار "ساعدونا لنُساعدكم"، بمعنى أنّ أيّ مُساعدة فرنسيّة، وتاليًا أوروبيّة، لن تصل إلى لبنان، ما لم يبدأ اللبنانيّون بمُساعدة أنفسهم، عبر وقف الهدر، والشُروع جديًا في مُكافحة ​الفساد​، وخُصوصًا عبر إطلاق خطّة إصلاحيّة شاملة ويُمكن التعويل عليها للإنقاذ. ويختلف الضغط الفرنسي على لبنان، عن الضغط الأميركي، حيث أنّ تركيزه هو على الشؤون الإقتصادية–المالية وليس السياسيّة. وبحسب المَعلومات، فإنّ فرنسا تُبدي إهتمامًا خاصًا بأوضاع ​المدارس الخاصة​ والكاثوليكيّة بالتحديد، كونها حريصة على الإبقاء على الصِلات الفرانكفونيّة القائمة بين فرنسا ولبنان منذ عشرات السنوات. إشارة إلى أنّ الخارجيّة الفرنسيّة لا تُسقط كليًا المواضيع السياسيّة من إهتماماتها، لا سيّما بالنسبة إلى ضرورة عدم خروج"حزب الله" عن السيطرة، والتقيّد بالقرارات الدَولية في ما خصّ الوضع السُوري، وهي تهتمّ أيضًا بشؤون أمنية، في طليعتها الحفاظ على الإستقرار في المنطقة، والإستمرار في توفير الحماية للقوات الأوروبية العاملة في ​الجنوب​.
بالإنتقال إلى الموقف الروسي، لا تغيير في السياسة الروسية ​العريضة​ إزاء لبنان، علمًا أنّ ​موسكو​ تتعاطى مع الواقع اللبناني من منظار إقليمي واسع، ومن مُنطلق الدفاع عن مصالحها في منطقة الشرق الأوسط ككل، بوجه السياسة الأميركيّة. وترحّب ​روسيا​ بالحفاظ على الإستقرار العام، وهي تدفع لإيجاد حًلول للأزمة السوريّة التي أثّرت سلبًا على كامل المنطقة، وتُنسّق مع لبنان في ما خصّ مواضيع تهمّ المنطقة، مثل ​اللاجئين​، وفي ما خصّ تعزيز التعاون الثُنائي، لكنّها لا تغوص في ​تفاصيل​ الوضع اللبناني، وبالتالي دورها أقلّ بروزًا على الساحة الداخليّة.
وعلى خطّ مُواز، نشطت الحركة الدبلوماسية بشكل لافت في لبنان أخيرًا، حيث سُجّلت سلسلة لقاءات لسفراء العديد من الدول العربيّة والخليجيّة إضافة إلى ​السفير الإيراني​، الأمر الذي أُدرج في خانة تقييم المُعطيات الحالية من جهة، وجسّ نبض المسؤولين والقيادات إزاء التطورات المُحتملة من جهة أخرى. وفي حين يتحدّث بعض الخُبراء في الشؤون السياسيّة عن أسابيع وأشهر مُقبلة حسّاسة، يرى خبراء آخرون أنّ الأوضاع الإقليميّة ستبقى شبه مُعلّقة إلى ما بعد الإنتخابات الرئاسيّة في أميركا والتي يُنتظر أن تجري في الثالث من تشرين الثاني المُقبل، لكن في حال فشل ​دونالد ترامب​ في الفوز بولاية ثانية، فإنّ عمليّة التسليم والتسلّم بينهوخلفه المُنتخب تتمّ في 20 كانون الثاني 2021.
في الخُلاصة، لا يُمكن الحديث عن تحرّكات دوليّة لتعويم لبنان أو لإغراقه، بل إنّ الدول تُنفّذ كل ما يلزم للحفاظ على مصالحها، وعلى الدول الصُغرى كلبنان السير بحنكة بين ​الألغام​، حتى لا تدفع ثمن أيّ تضارب أو تعارض مع مصالح الدول الكبرى.