لن تتقبّل قبائل "الزولو" في افريقيا أن تعيش اليوم من دون توافر ​التيار الكهربائي​. لم تعد تعتمد على ضوء القمر ليلاً، ولا على نار الحطب لرفع حرارة الماء. يكفي أن يطّلع المرء على طبيعة حياة القبائل، ليعرف أنّ قبيلة "ماساي" في كينيا التي تعيش في الأكواخ، تعتمد على الكهرباء طيلة أربع وعشرين ساعة: تبريد وتسخين وانارة وري زراعي وصناعة.

في الإقليم، مثلاً سوريا التي شهدت حرباً طاحنة بين الدولة والمجموعات المسلحة أعطت الأولوية لقطاع الكهرباء، فحصلت معارك او تسويات لتأمين التيار إلى المدن: كان عمّال المحافظات السورية يتدخّلون تحت القصف والنار لإصلاح أعطال الكهرباء، كي لا تغيب التغذية عن السوريين. اللافت ان سوريا نفسها زوّدت خلال فترة الحرب فيها، الدولة ال​لبنان​ية بالتيار الذي عبر الحدود، متجاوزاً الخلافات والتباينات ومناطق المسلحين.
حين نستعرض تلك الوقائع يُصبح أقل توصيف لما يجري في لبنان من تغييب الكهرباء، مع ما يتعلّق به من روافد ملفات ​الفيول​، بأنه مهزلة العصر: هل يُعقل أن تسود العتمة في بلد صغير المساحة الجغرافية، قليل الاعداد السكانية، في عام 2020؟ فلنطلب المساعدة من قبائل "الزولو" أو "ماساي"، إذا كانت المساعدة السورية تُحرج ​الحكومة اللبنانية​ الحالية. هل يُعقل ألاّ يقبض المتقاعدون رواتبهم بسبب إنقطاع الكهرباء عن وزارة المالية؟.
فليتخيل المرء أن الخبر وصل إلى قبائل ​أفريقيا​، او هم شاهدوا إحتجاجات الشارع اللبناني بسبب ملفات الفيول والكهرباء: سيضحكون طويلاً، أو قد يعرضون المساعدة على اللبنانيين الذين يتباهون بأنهم قدموا للعالم طاقات بشرية في كل إختصاص.
لماذا وصل لبنان إلى العتمة؟ القصة متشعّبة، ركيزتها غياب المسؤولية الوطنية، وعدم فاعلية الحكومة الحالية التي بات رئيسها يشكو من عمل وزاراته في مشهد هزلي، كأنه رئيس معارضة لا رئيس حكومة. لا تكمن مشكلة الكهرباء في أزمة النظام الذي عجز عن بناء قطاع منذ تسعينيات القرن الماضي، بل في عدم فرض الحكومات خطط عملية بعيداً عن الحسابات والمصالح: الآن، لا فيول ولا محروقات. هنا تكمن الأزمة الحالية. ما هو السبب؟.
يجزم المراقبون ان ارتفاع ساعات التقنين إلى حد قاس غير مسبوق، هو بسبب النقص الحاد في الفيول في معامل الانتاج والاعطال المتكررة في المعامل، مما أدّى إلى انخفاض ساعات التغذية من حوالي ١٢ ساعة إلى حدود الصفر احياناً، فزاد الطلب على مادة المازوت، جرّاء حاجات قطاعي الزراعة والصناعة ايضاً.
حرّك الطلب المرتفع على مادة المازوت تجّار الأزمة الذين إحتكروا المادة بعد تخزينها لبيعها في سوق سوداء بأسعار تزيد عن ثلاثة أضعاف، مما ولّد أزمة إضافية عند اصحاب ​المولدات الخاصة​ الذين عانوا من واقعين: إنقطاع الكهرباء و ارتفاع سعر المازوت.
هنا يمكن إستحضار السؤال: هل رمي المسؤولية في ملعب المنشآت هو لتغطية الإحتكار الذي قامت به شركات؟ يُقال هنا ان شركة طامحة بأن تكون المستورد الأول للفيول هي إحدى الجهات المحتكرة.
في اي حال تمّ اعتماد آلية للتعاون بين المنشآت النفطية و​البلديات​ التي قامت بتحديد احتياجاتها من المازوت، وتولى الامن العام الرقابة على تسليم الموزعين حمولتهم الى المستفيدين، على أن يتولى القضاء المالي محاسبة أي متاجر بالامن الاجتماعي. هذه الالية استدعت هجوماً على دور المنشآت لتضليل الرأي العام وتغطية إحتكارات تجّار الأزمة.
صحيح ان الازمة الأخيرة ترتبط بعدم انتظام وصول البواخر والارتفاع الحاد بساعات التقنين، مما ادى الى طلب غير مسبوق على مادة المازوت مع بدء فصل الصيف وزيادة الطلب على التكييف والري، لكن كل ذلك لا يبرر ان تبيع منشأة الزهراني 16 مليون ليتر خلال اسبوع واحد وتبقى الشكوى مرتفعة من نقص مادة المازوت في السوق. هذا يعني أن هناك جشعاً كبيراً في تخزين المادة.
يقول متابعون أن هناك تحضيراً يجري لفرض إحدى الشركات كمستورد أول للفيول، وهي ذات الشركة التي تحتكر كميات كبيرة من المازوت. تخطّط هي ذاتها لطرح نفسها منقذاً، لكنها بالحقيقة هي السبب الأساسي لمهزلة العصر. ومن هنا صار واضحاً لماذا تمّ ضخ الشائعات بحق شركة أخرى تعمل في عواصم دولية بأطر واضحة وشفّافة من دون أية مشاكل أو عيوب، لكن يسعى نافدون لضرب مصداقيتها في لبنان لسحب دورها لصالح تلك الشركة الطامحة. الخطير أن تتجنّد اصوات في الاعلام للمشاركة في تلك اللعبة. فهل يتم دفع القضاء للغرق في ذات الملفات بعناوين شعبوية، قبل إتضاح الحقائق؟ انها لعبة تتكشّف بعدما جرى التصويب سابقاً على الشركة الجزائرية "سونا تراك" التي بان انها كانت تخدم لبنان، وان اللبنانيين دفعوا ثمن الإساءة الإعلامية لها.
من المفيد العودة الى ما قاله وزير الطاقة الأسبق ​محمد فنيش​ يوماً للإستفادة منه: لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لكنت اعدت العمل مع "سونا تراك". او ما قاله وزير الطاقة الحالي ​ريمون غجر​ في ذات السياق.
هذا يؤكد أنّ لبنان وقع ضحية مصالح، ولعبة مركّبة تستغل واقع لبنان الحالي بوجود أزمة مالية تؤخر صرف الإعتمادات المصرفية لزوم بواخر الفيول. كانت "سونا تراك" تستمهل ستة أشهر قبل استحصال حقوقها المالية من لبنان، بينما صار البديل الآن استيراد الفيول من بواخر عابرة او موجودة، ربما بالصدفة، قرب المياه الإقليمية اللبنانية، بدفع فوري تحت طائلة عدم تفريغ الحمولات.
تتشابك المصالح، ويُستحضر الكلام عن كارتيل سياسي لتسويق الشركة الطامحة، وتوزيع المغانم من يمين وشمال إلى مختلف الإتجاهات. هل قدر اللبنانيين ان يدفعوا الثمن بالعتمة، مرات عدة؟ تارة من خلال تجهيل المحتكر الفاعل المسؤول ورمي المسؤولية في ملعب المنشآت، وتارة أخرى بالتحضير لشركة تريد ان تكون المستورد الأول للنفط.
في هذا الواقع المأساوي، صار طموح اللبنانيين هو الهجرة بأي إتجاه، ومنها حيث تعيش قبائل "الزولو" في جنوب أفريقيا، وليتركوا البلد لمحتكر وطامح، بينهما مصالح على حساب حياة اللبنانيين.
​​​​