تهافتت خلال الأيام الماضية الدعوات الى الانتقال نحو ​الدولة المدنية​، بعد أن اكتشف الجميع على ما يبدو أنه لا يُمكن الاستمرار على النحو الذي تسير فيه الامور في ​لبنان​، فالتغيير أصبح حاجة ضرورية، لا مجرّد ترف يمكن للبنانيين التخلّي عنه، ولكن هل يتضمّن الإنتقال الى الدولة المدنية تغيير ​اتفاق الطائف​ أم تطويره؟.

عند الحديث عن الدولة المدنية لا بد من تعريفها، فهي تلك التي تحمي جميع أعضاء المجتمع فيها، بغض النظر عن انتماءاتهم ​الدين​ية والقومية والفكرية، كما تعني تعاون الأعضاء الذين يعيشون في مجتمع واحد في سبيل ​تحقيق​ المنفعة العامة، كذلك هي التي تضمن عدم تعرّض أي فرد فيها لانتهاك حقوقه، وبحال تعرض لمثل هذا الانتهاك يطلب من ​السلطة​ العليا تحصيلها وحمايته.
من شروط تحقيق الدولة المدنيّة فصل الدين عن الدولة، وفي لبنان قد يكون هذا الشرط هو الأصعب، لأنّ الدين "عشعش" في زواريب ​الدولة اللبنانية​ وزواياها، فالخلط بين ​السياسة​ والدين في أوجه اليوم، لذلك يمكن القول أنّ الحل الأسهل هو إنشاء دولة مدنيّة تراعي طبيعة لبنان، ومن غير الضروري استحضار تجربة غربيّة وتطبيقها على ​المجتمع اللبناني​.
اطلق رئيس ​المجلس النيابي​ ​نبيه بري​ في ذكرى تغييب الإمام ​موسى الصدر​ مبادرة حواريّة أبرز بنودها الانتقال الى الدولة المدنيّة، والتي تشكل في وجدان ​حركة أمل​ "حلما" بدأ مع الإمام الصدر. وفي هذا السياق تشير مصادر قيادية في الحركة أن الدولة المدنيّة بمفهومها لا تعني على الإطلاق الدولة العلمانيّة، فالهدف تعزيز الإيمان الديني، ولكن وضعه في مكانه الصحيح، وإبعاده عن الاستثمار السياسي، وجعله عنوانا للفرقة بين اللبنانيين.
وتضيف عبر "النشرة": "نحن نرى أن تطبيق اتفاق الطائف ينقلنا الى دولة أفضل، وتحديدا بما يتعلق بإلغاء ​الطائفية السياسية​، مرورا بالمدخل الرئيسي لأي تغيير وهو ​قانون الإنتخاب​ القائم على ​النسبية​ والدوائر الكبرى، وفي هذا الإطار اقترحنا اعتماد المحافظات الخمس بحال لم يتم التوافق على الدائرة الكبرى أي لبنان دائرة واحدة، وإنشاء مجلس للشيوخ يتولى الأمور الاستراتيجيّة"، مشددة على أنه ليس المطلوب إيجاد عقد جديد يحكم علاقة اللبنانيين بدل اتفاق الطائف، بل تطبيقه اولا، ومن ثم البحث في تطويره بحال كان ناقصا أو بحاجة الى تطوير.
لا تدفع حركة أمل باتجاه إلغاء ​إتفاق الطائف​ لأن الوصول الى البديل لن يكون سهلا، والمطلوب سرعة في التغيير، ولكنها بنفس الوقت لا تمانع ​النقاش​ والحوار حول تطويره او تعديله أو إيجاد البديل عنه بشرط توفر التوافق اللبناني الكامل، لأنه لا يمكن تحقيق الغاية إلا بتوافق الجميع.
من جهته يؤكد عضو تكتل "​لبنان القوي​" إدغار معلوف أن نقاط الضعف في النظام الحالي كثيرة، وهي سبب وصولنا الى الحال الذي وصلنا إليه اليوم، وبالتالي بات ضروريا البحث عن بديل، ولكن بتوافق الجميع.
ويضيف في حديث لـ"النشرة": "نحن مع قيام الدولة المدنيّة من خلال حوار يقوم فيه الجميع، ليتمكنوا من اختيار الطريق المناسب لهذه الدولة، ولا مانع لدينا من الانطلاق من اتفاق الطائف ليكون لدينا نقطة ننطلق منها، وعندها نبحث في سبل تطويره أو تطبيقه لانه لم يُطبّق بعد"، مشددا على أن لا مانع من التعاون مع ​كتلة التنمية والتحرير​ لهذه الغاية علما أن التعاون لم يتوقّف يوما.
ويشير معلوف الى أنّ من حق الطوائف أن تحافظ على خصوصياتها من خلال مجلس للشيوخ، ولكن هناك ضرورة اليوم لإطلاق الحوار ​البناء​ البعيد عن النكايات للوصول الى الدولة المدنية.
تتفق ​الاكثرية​ حول ضرورة التغيير، وبما أن اتفاق الطائف يشكل أرضية مناسبة لبدء النقاش والحوار، فلا مانع من اعتماده، قبل الحديث عن عقد جديد، لأنه لا يمكن الحكم على "إتفاق" لم يُطبق، فهل تنطلق ورشة "الدولة المدنية" قريبا بدفع دولي؟.