لم يكن مفاجئاً إقدام ​الإدارة الأميركية​ على فرض عقوبات على الوزيرين السابقين النائب ​علي حسن خليل​ ويوسف فنيانوس​ ضمن ما يسمّى القانون الأميركي «​لمكافحة ​الإرهاب​»، زاعمة أنهما «متورّطان بـ «الإرهاب» وقدّما ​مساعدات​ عينية ومالية ل​حزب الله​ في لبنان»…

منذ فترة طويلة بدأت ​واشنطن​ حرباً ناعمة لمحاصرة ​المقاومة​ ومحاولة تشويه سمعتها وإضعاف مواردها المالية من خلال استهداف شخصيات ورجال أعمال بالعقوبات بتهمة علاقتهم مع حزب الله المقاوم ووضع الحزب على لوائح الإرهاب من قبل العديد من الدول التي تدور في ​الفلك​ الأميركي… لكن واشنطن، بعدما وجدت أنّ ذلك لم يحقق الهدف المطلوب لناحية التأثير سلباً على ​البيئة​ الشعبية لحزب، لجأت إلى الانتقال في حربها ضدّ المقاومة، الى ​سياسة​ الضغط على حلفاء حزب الله لإبعادهم عنه، وتشديد الحصار عليه، انْ كان عبر الترغيب بتقديم المغريات حيناً، أو عبر الترهيب بواسطة رسائل التهديد باستخدام سلاح العقوبات ضدّهم حيناً آخر.. بداية حاولت واشنطن استخدام سلاح الترغيب واستمالة حلفاء حزب…
أولاً، حاول المبعوثون الأميركيون إلى لبنان، جهدهم ثني دولة رئيس ​مجلس النواب​ ​نبيه بري​ عن مواصلة تحالفه المتين مع حزب الله، ودفعه إلى التخلي عنه واستطراداً تقديم تنازلات بما خصّ موضوع ​ترسيم الحدود​ البحرية والبرية بما يسمح لكيان العدو الصهيوني الاستيلاء على جزء من ثروات لبنان من ​الغاز​ و​النفط​ والمياه… لكنهم فشلوا في ذلك، وكان الموفدون الأميركيون في كلّ لقاء لهم مع الرئيس برى يخرجون محبطين ويعودون أدراجهم إلى واشنطن خالي الوفاض…
ثانياً، حاولت واشنطن استمالة رئيس ​تيار المردة​ الوزير السابق ​سليمان فرنجية​ وجعله يتخلى عن تحالفه مع حزب الله ودعمه القوي والمبدئي للمقاومة، وفي هذا السياق عمدت واشنطن إلى محاولة اللعب على التناقضات بين الوزير فرنجية، وبين ​التيار الوطني الحر​، لا سيما بعد أن دعم حزب الله بقوة وصول الرئيس العماد ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية… لكن الوزير فرنجية كان واعياً للمخطط الأميركي، وأعلن بوضوح انه لن يتخلى عن المقاومة مهما كانت الظروف…
ثالثاً، مارست واشنطن ضغوطاً شديدة على ​الرئيس ميشال عون​ والتيار الوطني الحر قبل وبعد وصول ​الرئيس عون​ إلى ​قصر بعبدا​، وذلك بهدف دفعه إلى التخلي عن تحالفه مع حزب الله والتوقف عن التمسك بدعم المقاومة وتوفير الغطاء الوطني لها.. ووظفت وجنّدت كلّ القوى الموالية لها لزيادة منسوب هذا الضغوط، لكنها لم تنجح في زحزحة الرئيس وتياره عن موقفه…
في ضوء ذلك عمدت واشنطن إلى تسريب ​الأخبار​ عن استعدادها إدراج أسماء شخصيات لبنانية قريبة وحليفة لحزب الله على لائحة ​العقوبات الأميركية​ بتهمة دعمها «الإرهاب»… وراحت العديد من وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية إلى الحديث عن أنّ من بين هذه الشخصيات الرئيس بري أو مقرّبين منه والوزير ​جبران باسيل​ وحلفاء آخرين لحزب الله.. لكن كلّ ذلك لم يجد نفعاً، وأخفقت كلّ هذه الوسائل في ترهيب حلفاء حزب الله ودفعهم إلى التخلي عن تحالفهم معه..
انطلاقاً من ذلك قرّرت واشنطن الانتقال إلى الخطة «ب» وهي تصعيد الضغط والحصار المالي على لبنان، واستطراداً ​تفجير​ ​الأزمة​ الاقتصادية والمالية والاجتماعية والعمل على استغلال ​الاحتجاجات​ الشعبية لأجل تنفيذ انقلاب سياسي يقصي حزب الله وحلفاءه عن ​السلطة​ التنفيذية، وتشكيل ​حكومة​ تتولى تنفيذ الأجندة الأميركية لناحية فرض اتفاق ترسيم الحدود البحرية والبرية وفق الأطماع الصهيونية، ومحاصرة حزب الله وشنّ حملة ضدّه لنزع سلاحه لا سيما ​الصواريخ​ الدقيقة التي تقلق كيان العدو الصهيوني…
غير أنّ هذه الخطة الانقلابية فشلت، بفعل وعي قيادة حزب الله وحلفائه.. ونجاحهم في إدارة المعركة وإحباط الأهداف الأميركية والانتقال إلى محاولة استثمار ذلك للتوجه شرقاً لكسر الحصار الأميركي وحلّ أزمات لبنان… هذا الأمر أقلق الأميركي والفرنسي على وجه الخصوص فتحرك الرئيس ​إيمانويل ماكرون​ بالاتفاق مع الرئيس ​دونالد ترامب​، ووجد ماكرون في حدث ​انفجار مرفأ بيروت​ المدخل للدخول على خط إعادة إنتاج التسوية والتعايش بين الفريق الوطني المقاوم، والفريق الأميركي الغربي المعادي للمقاومة، وذلك لقطع الطريق على إمكانية دخول ​الصين​ و​روسيا​ وإيران على خط دعم لبنان اقتصادياً ومالياً وإعمار بيروت… وما يعنيه ذلك لو تمّ من إضعاف وخسارة الغرب نفوذه في لبنان…
وإذا كان ماكرون قد نجح في جمع الأطراف اللبنانية وإطلاق قطار تشكيل حكومة جديدة بعد الاتفاق على تسمية الدكتور ​مصطفى أديب​ لتأليفها، فإنّ هذا النجاح لم يكن ممكناً من دون الاعتراف بحزب الله واللقاء معه… وهو ما سمح به الأميركي من دون أن يكون هو مُقراً بذلك.. حيث ظلّ على موقفه من حزب الله المقاوم انطلاقاً من المصلحة «الإسرائيلية»…
لكن كان من الواضح أنّ هذا التطور شكل إحباطاً لدى الفريق اللبناني الموالي لواشنطن… وانعكس سلبا على موقف ​القوات اللبنانية​ و​حزب الكتائب​ اللذين رفضا المشاركة في تسمية أديب، وكذلك انعكس سلباً على ما يسمّى ​هيئات المجتمع المدني​ المموّلة أميركياً وأوروبياً ومن ​الأمم المتحدة​.. التي كانت ترفع الشعارات الأميركية المجاهِرة في التصويب على حزب الله والرئيس عون وجبران باسيل والرئيس بري في سياق شعار «كلن يعني كلن»…
أمام هذا الوضع الجديد من الإخفاق الأميركي والإحباط لدى القوى الموالية له، تحركت واشنطن لأجل الحدّ من ذلك وأعادت رفع المعنويات لدى هذه القوى التابعة، والقول لها إنّ ما حصل ليس سوى تكتيكاً مؤقتاً، وانّ المعركة مستمرة ضدّ حزب الله وحلفائه.. وفي هذا السياق أقدمت واشنطن على ما يلي:
1- إيصال رسالة مباشرة عبر ​وزير الخارجية​ الأميركي ​مايك بومبيو​ يؤكد فيها التفاهم مع الرئيس ماكرون، في مبادرته اللبنانية، لكن مع الإبقاء على تمايز الموقف الأميركي من حزب الله والاستمرار في العمل على نزع سلاحه بالقول: «إنّ الفرنسيين وكلّ ​العالم​ يرون الخطر. الخطر واضح وهو أنظمة الصواريخ والتحكم التي يحتفظ بها حزب الله في الجنوب»… وطبعا فإنّ حديث بومبيو عن خطر هذه الصواريخ على كيان العدو الصهيوني… لأنّ الهدف الأساسي لواشنطن إنما هو العمل ليل نهار لحماية أمن «إسرائيل»، وبالتالي التخلص من كلّ ما يقلق» إسرائيل» وأمنها..
2- إعلان واشنطن عن تنفيذ تهديدها بفرض الحصار المالي على حلفاء حزب الله، بدءاً بالوزيرين خليل وفنيانوس… ويبدو من الواضح أيضاً انّ هذه الحزمة الأولى من العقوبات إنما تستهدف توجيه رسالتين…
الرسالة الأولى، الى الرئيس نبيه بري بالضغط عليه لتليين موقفه من موضوع اتفاق ترسيم الحدود البحرية والبرية.
الرسالة الثانية، ترهيب التيار الوطني، من خلال القول له، انّ إدراج فنيانوس هو مقدمة لإدراج النائب جبران باسيل وغيره من رموز التيار الوطني، في حال أصرّوا على مواقفهم في التحالف مع حزب الله المقاوم…
هل تنجح واشنطن في ​تحقيق​ ما تصبو اليه عبر هذه العقوبات الإرهابية…
الجواب كان واضحاً وحازماً من بيان ​حركة أمل​ برئاسة الرئيس بري في رفض الخضوع للإرهاب الأميركي والتأكيد على مواصلة الالتزام بنهج المقاومة والتمسك بحقوق لبنان كاملة.. فيما كان ردّ تيار المردة بتأكيد الوزير فرنجية على الاستمرار بـ «مواقفنا من منطلق إيماناً بأرضنا وسيادتنا وهويتنا وأن القرار يزيدنا تمسكا بنهجنا وخطنا»…
أما موقف الرئيس ميشال عون والتيار الوطني الحر فلن يكون أقلّ تمسكاً بالتحالف مع حزب الله ودعم المقاومة، وهو ما جسّده قولاً وعملا خلال ​حرب تموز​ عام 2006 الأميركية الصهيونية.. حيث لم تنجح كلّ وسائل الترهيب والترغيب في دفع الرئيس عون إلى التخلي عن الوقوف إلى جانب المقاومة وتأكيد إيمانه بانتصارها.. وهو ما يفسّر تصويب رئيس ​حزب القوات اللبنانية​ ​سمير جعجع​ بشكل دائم على تفاهم ​مار مخايل​ بين حزب الله والتيار الوطني
لذلك يمكن القول إنّ العقوبات على خليل وفنيانوس إنما هي إرهاب أميركي يائس التأثير على موقف حلفاء حزب الله.. بعد فشل كلّ الوسائل الأميركية في التأثير على البيئة الشعبية للمقاومة ومحاصرتها وإضعاف قوّتها ونزع سلاحها الرادع العدوانية الصهيونية وأطماع كيان الاحتلال في أرض وثروات لبنان…