لم يكن ينقص الأفق السياسي الغامض في ​لبنان​ سوى عبارة «ذاهبون الى جهنم»، التي نزلت ك​الصاعقة​ على رأس اللبنانيين، الذين ينضب لديهم منسوب الأمل الباقي، تماماً كمنسوب احتياطيات العملة الصعبة في ​مصرف لبنان​.

النذير الجهنمي الذي ورد على لسان ​رئيس الجمهورية​، ليس مجرد زلّة لسان في لحظة انفعالية ما، بل هي توصيف دقيق لما حذّر منه كثرٌ من الحريصين على ما تبقّى من مستقبل محتمل للبنان، وهي تعبير على أنّ ​الأزمة​ السياسية باتت مفتوحة على احتمالات كارثية، بات فيها اللعب على المكشوف بين الجميع، وبات فيها الخصم والحكَم مجسّدين في شخص واحد.


لا يغيّر في الأمر أنّ رئيس الجمهورية قد «حسَب» لفرقاء الأزمة القائمة تمسّكهم بالمبادرة الفرنسية وحرصهم على ​تشكيل الحكومة​ العتيدة، لكن ما ورد في كلام الرئيس، الذي يجري تقديمه على انّه «مبادرة رئاسية» للحل، هو في حقيقة الأمر ضربة مباشرة للمبادرة الفرنسية، او بمعنى ملطّف، تجاوز لتلك المبادرة، العالقة بين اللعبة السياسية الداخلية التي يصرّ البعض على الاستمرار فيها، وفق قواعد منتهية الصلاحية، وبين التعقيدات الخارجية، التي لم يستطع لبنان تجاوزها، برغم تكرار السرديات الكلامية المغايرة، ومن بينها الزعم بأنّ الحلول في ظلّ «العهد القوي» يجب أن تكون «صُنع في لبنان».

لا شك في أنّ المبادرة الفرنسية اليوم قد باتت في مأزق حقيقي، لا بل يمكن القول إنّها باتت في حالة موت سريري، لن يُخرجها منه سوى معجزة صعبة، أو مجرد صدمات كهربائية تحاول بث النبض في قلبها، ولو الى حين.


المبادرة التي سارت وفق تنسيق فرنسي - أميركي خلال الأيام العشرة الأولى من مهلة الأيام الخمسة عشرة التي حدّدها ​ايمانويل ماكرون​ في زيارته البيروتية الثانية بعد ​انفجار بيروت​، سرعان ما فقدت ركيزة التفاهم الفرنسي والاميركي عليها، لا سيما بعدما افترقت ​واشنطن​ و​باريس​ على قضايا تتجاوز البعد اللبناني، وخصوصاً حول ما يتصل بالملفات الأكثر ​حساسية​ في العلاقات الدولية، وتحديداً الملف ​النووي الإيراني​، الذي افترقت فيه عواصم القرار على ضفتي الأطلسي، بشأن تجديد الحظر المفروض على ​ايران​.


هذا ما جعل ​العقوبات الأميركية​ الأخيرة - والمتوقع الإعلان عن فصل جديد منها خلال الأيام المقبلة - تتجاوز مجرد ​سياسة​ الضغط التي يمكن للولايات المتحدة ان تمارسها على الفرقاء السياسيين في لبنان، لضمان الاستجابة للمبادرة الفرنسية. فهي بدت في الواقع موجّهة الى المبادرة الفرنسية نفسها، في سياق نهج المقايضات الذي بات معروفاً خلال عهد ​دونالد ترامب​، والذي تسعى من خلاله ​الادارة الأميركية​ الى دفع ايمانويل ماكرون الى التماهي مع الطروحات المحدّدة من قِبل واشنطن في ما يتصل بالملف الإيراني، ثمناً لضمان الاندفاعة الفرنسية الأخيرة تجاه لبنان، والتي باتت بالنسبة الى باريس نقطة ارتكاز في سياستها الخارجية، في ظلّ الطموحات الباريسية بأن يكون لبنان نقطة ارتكاز في سياساتها المتوسطية.


بهذا المعنى، لم يكن عبثاً أن وقع خيار ​وزارة الخزانة الأميركية​ في جولة عقوباتها التي يصفها البعض بـ«التخريبية»، على الوزيرين ​علي حسن خليل​ و​يوسف فنيانوس​. فالمنطق، هو أنّ الفعل لا بدّ أن يُقابل بردّ فعل يحفظ الكرامة الوطنية للثنائي الشيعي ببعده المتجاوز للسياق السياسي. فالتصعيد الأميركي تمثّل في الواقع هجوماً مباشراً على فريق بعينه، فكان لا بدّ من الردّ على هذا الهجوم بالتمسّك بموقع وزاري مثل ​وزارة المال​، التي تبدو في الظاهر تفصيلاً جزئياً، فيما هي في الواقع نقطة جوهرية في الردّ على التخريب الأميركي، الى جانب كونها بالنسبة الى ​الشيعة​ الجسر الذي يعبرون منه الى الشراكة في ادارة ​الدولة​.

المشكلة أنّ أحداً من الفرقاء السياسيين في لبنان لم يستطع - أو بالأحرى لم يرِد - فهم جوهرية مطالبة حركة «امل» و«حزب الله» بحقيبة المالية، بما تمثله من بعد جوهري في الردّ على الخطوة الأميركية - وهي خطوة مالية في الأساس.

وإذا كان موقف القوى المناوئة لـ«امل» و«حزب الله»، مفهوماً من الناحية المنطقية، في ظلّ الرهانات على الخارج لتصفية الحسابات الداخلية، فإنّ الكارثة تكمن في أنّ من يُعتَبَرون حلفاء لـ»الثنائي» باتوا متماهين مع مواقف القوى المناوئة السابقة الذكر، أو بالأصح سائرين، عمداً أو جهلاً، ضمن ما بدا انّها «كلمة سر» وصلت «من مكان ما» الى لبنان، والتي بات واضحاً أنّ البعض يتحرّك على اساسها في وضع الفيتوات الحكومية على شركاء الوطن.

بهذا المعنى، فإنّ السقطة السياسية لرئيس الجمهورية بالأمس تتجاوز سقطة «ذاهبون الى جهنم». فما كان يحتاجه الرئيس ليس نظارات طبية لقراءة بيان صاغه مستشارون باتوا عبئاً على الرئاسة والوطن معاً، بل «نظارات سياسية» قادرة على رصد الهجمة التي يتعرّض لها حلفاؤه، والتي تقترب من أن تكون حرب الغاء مماثلة لتلك التي خاضها يوماً مع خصومه في «القوات اللبنانية» قبل ثلاثة عقود من الزمن.

المبخّرون للرئاسة الاولى بدأوا بتمديد الكلام الرئاسي وتقديمه على انّه شخّص الداء و​الدواء​. واما الآخرون، كل الآخرين، لم يقتنعوا بكلام رئاسي كرّر بيان الهيئة السياسية للتيار الوطني الحر، ووصل الامر ببعض هؤلاء الآخرين الى حدّ القول، إنّ الاطلالة الرئاسية لم تكن موفقة، لا شكلاً ولا مضموناً، لا بل أنّ ما ورد فيها قد يؤسس لانقلاب سياسي، وإعادة خلط للأوراق الداخلية المتقاطعة مع التوجهات الخارجية، بما قد يُنذر بمعارك عبثية سياسية وغير سياسية، تجعل الطريق الى جهنم حتمية، وبتذكرة ذهاب بلا اياب.


لا يغيّر في ما سبق، الطروحات الطوباوية التي قدّمها رئيس الجمهورية كحل للأزمة القائمة، من قبيل طرح فكرة دولة مدنية، التي لا يمكن أن تتحقق بين ليلة وضحاها، لا بل من العبث نقاشها في ظلّ مناخ محتدم لا يستطيع معه الفرقاء ​اللبنانيون​ الوصول الى الحدّ الأدنى من القواسم المشتركة، لمهمة عاجلة من قبيل تشكيل الحكومة؛ ولا يغيّر فيها ايضاً مقترحات سوريالية من قبيل التبنّي شبه الحرفي لما تضمنه بيان ​التيار الوطني الحر​ الأخير، بشأن توزيع الحقائب السيادية على الأقليات!

الطريق الى جهنم بات معبّداً ب​تفاصيل​ الأزمة الحكومية، فإذا كان المفهوم الرئاسي لجهنم ليس «روحياً» كما أوضحت ​رئاسة الجمهورية​، الاّ أنّه من المؤكّد ليس «تشبيهاً ثانوياً» كما قيل. فالمغامرات السياسية اليوم باتت تشكّل استهدافاً ل​اتفاق الطائف​، الذي قد يكون أول ​ضحايا​ فشل المبادرة الفرنسية، وحينها سيصبح الحديث عن حصّة هذه الطائفة أو تلك حكومياً، أو حتى المطالبات العبثية بالمداورة في الحقائب، عنواناً مؤسساً لصراعات أكبر، تتفاوت بين حديث متجدد عن المثالثة وآخر عن ​الفيدرالية​، وبينهما عواصف جهنمية، تعيد عقارب الزمن الى عشية العام 1975.