ينسحب التّخبّط يُمنةً ويُسرةً في ​لبنان​ على كُلّ القطاعات... وضمنًا على التّربية، مع ما يُضاف في هذا المجال مِن خصوصّيات للجامعة الوطنيّة الرّسميّة، ذاك الصّرح العريق الّذي خرّج نُخبة من كلّ الاختصاصات والمجالات العلميّة–الأَكاديميّة الرّفيعة...

غير أنْ ثمّة واقعةً حصلت الأُسبوع الماضي في عددٍ مِن كليّات "​الجامعة​ اللّبنانيّة"، كان لا بُدّ من التّوقُّف عندها تحليلاً وتفكُّرًا واستخلاصًا للعبر... إِذا لم يكن من مجالٍ لتصحيح الخطأِ!.
فقد قصد الكليّات، مئات الطُّلاّب من "المدرسة المهنيّة"، آملين في تتويج مجهودهم التّقنيّ بشهادةٍ جامعيّةٍ من الجامعة الوطنيّة، ولو أَنّ هؤلاء قد تخصّصوا في مجالاتٍ فنيّةٍ–تقنيّةٍ، غير أَنّ أَحدًا لا يحقّ له وضع حواجز أَمام سعي مُتعلّمي التَّعليم المهنيّ إِلى حصولهم على شهادةٍ جامعيّةٍ، كون الثّقافة لا حدود لها... وكونها حقّا لأبنائنا، بخاصّةٍ وأَنّ الجميع سيخضع لامتحان القبول، و"عند الامتحان يُكرم المرءُ أَو يُهان"!...
في اختصارٍ، فقد تكبدّ هؤلاء أَو ذووهم، عناء الانتظار الطّويل، بداية لتقديم طلباتهم في الكُليّة المقصودة طلبًا للتّحصيل الجامعيّ، ومن ثمّ حان وقت "طابور الانتظار" في مراكز الـ"ليبان بوست"، لدفع الرُّسوم، وهنا قد يُفسح في المجال لمقالةٍ أخرى عن إضاعة الوقت انتظارًا للدّور، كيلا نتحدّث عن الشّعور بالإذلال...
وبعد ذلك إِلى الجامعة مُجدّدًا، وهم يُعلّلون الآمال بنافذةٍ فرجٍ، إِلى مُستقبلٍ ناجحٍ في خضمّ الرّحلة الجماعيّة الوطنيّة المُرتقبة إِلى جُهنّم!.
الخطأ الإداريّ الأَوّل المُرتكب في هذا المجال، كان قبول الطّلبات من مُتعلّمي "المهنيّة"، ومن ثمّ إِبلاغ هؤلاء بأَن لا يحقّ لهم التّعلُّم!...
ومن ثمّ فقد جاءت طريقة إِبلاغ هؤلاء برفضهم عشيّة امتحان القبول، وذلك لأنّ القرار الإداريّ على مستوى الجامعة اللّبنانيّة قد اتُّخذ عشيّة إِجراء امتحان القبول في إِحدى الكليّات التّابعة للجامعة اللّبنانيّة، وبطريقةٍ أَقلّ ما يُقال فيها إِنّها غير لائقة... كأَن يُقال للصّبيّة، وأَمام الجميع، وعلى مرأًى ومسمعٍ منهم: "لا تأْتي غدًا، لقد تقرّر أَلاّ حقّ يُخوّلكِ إِجراء امتحان القبول"....
وأَمّا الخطأُ الإداريّ الأفدح، فقد تمثّل في تجاوز اللّياقة في التّبليغ، وفي عدم الوضوح في الرّؤية في بعض الأحيان، وفي الافتقار إِلى معرفة التّاريخ المُناسب لاتّخاذ القرار، إذ ينبغي أن يكون قبل الشُّروع في تسجيل الطُّلاّب للخضوع إِلى امتحان القبول وليس بعده، وكذلك ثمّة خطأ في سبل تبليغ مضمون القرار الإِداريّ...
هي بمثابة رصاصة الرّحمة بالنّسبة إِلى بعض الطلاّب، على آخر أَملٍ لهم بمستقبلٍ يُدرك الطُّلاّب مُسبقًا وعورة مسالكه، غير أَنّهم قبلوا التّحدّي فيما أَهل الأكاديميّة حجبوه عنهُم!.
صحيحٌ أَنّ الدّراسة الّتي تلقّاها هؤلاء بروحيّتها وهُويّتها، يغلب عليها الشّقّ الفنيّ، غير أَنّ في الجامعة اللّبنانيّة فروعًا يمكن لطُلاّب المهنيّة أَن يخوضوا غمارها، ما دام في اعتقاد الأَكاديميّين أَنّ طُلاّب المهنيّة يصعب عليهم التّخصّص في عدد من الاختصاصات... مع الإِشارة إِلى أنّ بعض الأساتذة الجامعيّين يُستعان منهم أحيانًا لتدريس مواد تطبيقيّة، وهم -على رغم سعة معرفتهم وجدارتهم المهنيّة- مِن غير حملة الدُّكتوراه لسبب أو لآخر...
يصعب علينا أَن نفهم منطق أَن يكون الأُستاذ الجامعيّ الكفوء، من غير المُتخصّصين جامعيًّا، بل يُستند في الاستعانة بخبرته إِلى النّاحية العمليّة وأحيانًا التّقنيّة، ولا نقبل في المُقابل، أن ينضمّ طالبٌ مهنيّ إِلى الجامعة اللُّبنانيّة، آملاً في تطوير مهاراته ومداركه وثقافته؟...
وكيف نحكُم على عجز طالبٍ، قبل أن يُتاح له القيام بامتحان القبول؟.
إِنّ ما شعر به مئات الطُّلاّب المهنيّين، هو نتيجة نظرة دونيّة للتّعليم المهنيّ والتّقنيّ في لبنان، لا بل هو نظرة فيها تقليلٌ من قيمة أَبنائنا، واستخفاف في مهاراتهم وقدراتهم ومواهبهم وذكاءاتهم... علّها لا تكون أَيضًا، حرب إِلغاء قد تكون أَعلنتها "الجامعة اللّبنانيّة" الوطنيّة، من حيث تدري أو لا تدري، على "المدرسة المهنيّة في لبنان!.
إِنّ المسألة تستأهل من القيّمين على الجامعة إعادة تفكّر وتصويب التّفكير، كيلا تسهم بدورها في تيئيس أَبنائنا!.