بعد الخطاب الهادئ من جانب أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله، يمكن القول أن أغلب القوى السياسية المحليّة أعادت الكرة إلى ملعب الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون​ من جديد، بعد أن كان توجه إليها بمجموعة واسعة من الإتّهامات في مؤتمره الصحافي، أبرزها الخيانة الجماعيّة وعدم الإلتزام بالتعهّدات.

في هذا الإطار، كان من الواضح أن كل فريق لبناني أخذ من خطاب الرئيس الفرنسي ما يريده، للإنتقال إلى المرحلة الثانية من المبادرة التي حدّد لها ماكرون مهلة زمنية بـ6 أسابيع، من دون أن يعني ذلك أي تراجع في المواقف التي قادت إلى إجهاض تجربة السفير اللبناني في برلين ​مصطفى أديب​.
في محصّلة الردود على مواقف ماكرون، معظم القوى اللبنانيّة لا تريد إقفال الباب أمام الجهود التي يبذلها الرئيس الفرنسي، لكنها في المقابل لديها مطالبها التي تريد منه العمل على تحقيقها، وهو ما كان واضحاً في خطاب السيد نصرالله تحديداً، بعد أن كان الكُثُر يتوقعون أن يذهب إلى تصعيد يقود إلى إجهاض المبادرة برمّتها.
في هذا السياق، ترى مصادر سياسية مطلعة، عبر "النشرة"، أنّ من الضروري تسجيل بعض الملاحظات على ما حصل في الأيام الماضية، تحديداً بعد مؤتمر الرئيس الفرنسي الصحافي، لناحية أن ماكرون كان حاسماً بأنه لا يريد إقفال الأبواب أمام مبادرته، التي ترتبط بمصالح باريس الخاصة في منطقتي الشرق الأوسط و​البحر المتوسط​ من جهة، وبصورة الرئيس الفرنسي على المستوى الداخلي من جهة ثانية.
بالتزامن، تلفت المصادر نفسها إلى أنّ الجانب الفرنسي يدرك جيداً أن أساس العقبات التي واجهتها المرحلة الأولى من مبادرته تكمن بالجهات الخارجية الفاعلة على الساحة اللبنانية، حيث كان من الواضح أن ​الولايات المتحدة​ لا تريد تسهيل أي مسار يستفيد منه "حزب الله" بأي شكل من الأشكال، والأمر نفسه ينطبق على ​السعودية​ التي عبّرت عن ذلك بشكل حاسم على لسان الملك سلمان بن عبد العزيز.
في المقابل، لا تنكر هذه المصادر أن الجانب الإيراني لم يكن من الوارد بالنسبة إليه أن يضغط على حلفائه، تحديداً "حزب الله"، للذهاب إلى تقديم تنازلات غير معقولة، خصوصاً أن العرض الذي قدّمه السيد نصرالله أظهر أن المطلوب كان الإنقلاب على الأكثرية النيابية وتسليم البلد إلى فريق سياسي واحد، من الذين يتبنون خطاباً سياسياً معادياً لطهران.
إنطلاقاً من ذلك، تعتبر المصادر السياسية المطّلعة أن فرص نجاح ماكرون في لبنان لا تزال قائمة، حيث الأفرقاء المحليين مُرَحِّبين بالدور الفرنسي الوسيط، في حين أن لدى باريس رغبة واضحة في هذا النجاح مرتبطة بمصالحها الخاصة، لكن ذلك يتطلب منها، قبل أي أمر آخر، إدراك المدى الذي من الممكن أن تذهب عليه، نظراً إلى أنها لا تملك القدرة على الفرض أو الإجبار.
من وجهة نظر هذه المصادر، ما تقدّم من المفترض أن يدفع الجانب الفرنسي للعمل على إزالة العراقيل الخارجية من أمام مبادرته، من خلال التواصل مع الأفرقاء الدوليين والإقليميين المعنيين، أي الولايات المتحدة والسعودية وإيران، على أن ينتقل لاحقاً إلى الداخل اللبناني حيث سيكون من السهولة بمكان الحصول على موافقة الأفرقاء المحليين على أيّ صيغة يتم التوافق حولها.
في المحصّلة، تجزم المصادر نفسها بأن ليس هناك من جهة إقليمية أو دولية قادرة على لعب دور الوسيط في لبنان إلاّ باريس، لكنها تشير إلى أنّ المهمة صعبة جداً في الوقت الراهن، الأمر الذي قد يكون السبب الأساسي في دفع ماكرون إلى تمديد مهلته لفترة طويلة تتجاوز الإستحقاق الإنتخابي في الولايات المتحدة.