تضمّنت الذكرى السنويّة الأولى لتحرّكات السابع عشر من تشرين الأوّل من العام 2019 الإحتجاجيّة، عددًا من ال​تظاهرات​ والتحرّكات والإعتصامات المُتفرّقة، لكن يُمكن القول إنّ وهج "​الثورة​" إنطفأ، بعد أن زادت الأمور سوءًا على مُختلف الصعد والمُستويات، وبعد أن تسرّب كلّ من اليأس والنُفور إلى قُلوب أغلبيّة كبيرة من الأشخاص الذين كانوا قد شكّلوا خلال العام الماضي عصب التحرّكات الشعبيّة. فماذا سيحصل بعد فشل "ثورة 17 تشرين"؟.

بداية لا بُدّ من المُرور سريعًا على أبرز أسباب فشل "الثورة"، بعد مُرور سنة على إنطلاقها. وفي هذا السياق، يُمكن تعداد ما يلي:
أوّلاً: إنقسام المُحتجّين والناقمين على السُلطة إلى مَجموعات عدّة، ورفض العديد من هذه المَجموعات الإنضواء تحت قيادة مُوحّدة. وبالتالي فشلت الثورة في إستيلاد قيادة مركزيّة، الأمر الذي أسفر عن إنعدام الرؤية والتخطيط والعمل المُوحّد والمُنظّم الذي يسمح بالتغيير، إضافة إلى دُخول بعض الجهات ضُمن "الثوّار" في صراعات جانبيّة، طمعًا بقيادة هنا وبمنصب وزاري أو نيابي مُستقبلي هناك، في ظلّ حملات تهميش مُتبادلة.
ثانيًا: رفع شعارات مُختلفة وحتى مُتضاربة للمُحتجّين على مُستوى الأهداف والأولويّات، وغياب المشروع التغييري والإصلاحي المُوحّد، وعدم الإتفاق على مشروع إنتخابي مُوحّد أيضًا. وطالت الإنقسامات أساليب العمل والتحرّك، بين جهات تريد تظاهرات سلميّة وراقية، وجهات تريد ثورة عارمة تعتمد إغلاق الطُرقات وحتى لا تخلو من أعمال ​العنف​.
ثالثًا: دُخول مُناصري أحزاب عدّة مُختلفة وحتّى مُتضاربة على مُستوى التوجّهات السياسيّة والعقائديّة على خطّ التحرّكات، تارة بحماسة أو بنقمة شخصيّة على الأوضاع العامة، وتارة أخرى بتوجيهات من قياداتها لأهداف سياسيّة وحزبيّة ضيّقة، الأمر الذي زاد من الإنقسامات في ساحات الثوّار، وضاعف تباعد الأهداف في ما بين هؤلاء. كما أسفر التدخّل الحزبي في التحرّكات في إشتدادها حينًا وفي إضعافها حينًا آخر، بناء على أجندات لا علاقة لها بالمطالب الشعبيّة.
رابعًا: تحرّك قوى السُلطة بشكل عُنفي ضُدّ المُحتجّين في أكثر من منطقة، الأمر الذي أدّى إلى خوف الكثيرين وإلى عُدولهم عن النزول إلى الساحات والشوارع، خاصة وأنّ مُناصري أحزاب السُلطة إستفادوا من إنحياز هذه الأخيرة إليهم وتمادوا في ترهيبهم للمُحتجّين غير آبهين بأيّ عقاب.
خامسًا: دُخول جماعات مُحرّكة من أجهزة إستخبارات، وحتى من جماعات مُتطرّفة، على خطّ التحرّكات الشعبيّة، الأمر الذي أفرغها من مَضمونهاوأدّى إلى إنحراف بعض ​التظاهرات​ وتحوّل جزء كبير منها إلى أعمال شغب وتكسير، وتحوّل جزء آخر منها إلى تحرّكات بأهداف سياسيّة مُوجّهة، وهو ما دفع العديد من دُعاة قيام ​الدولة​ العادلة والمُتقدّمة والحضاريّة، إلى الإنكفاء والعودة إلى المنازل.
سادسًا: تدهور الأوضاع في ​لبنان​ على مُختلف الصُعد، بدءًا بالوضعين الإقتصادي والمالي، مُرورًا حُكمًا بالوَضعين المَعيشي والحياتي، وُصولاً حتى إلى الوضع النَفسي للمُواطنين! وقد تسبّبت هذه التطوّرات بتسلّل اليأس إلى نُفوس المُواطنين، بحيث صاروا غير آبهين بما حصل وسيحصل، ويتطلّعون فقط إلى ​الهجرة​ من لبنان!.
أمّا وقد حصل ما حصل، فإنّ التوقّعات بالنسبة إلى مُستقبل "الثورة" غير مُتفائلة كثيرًا. والحديث عن تمكّن المُحتجّين من إسقاط حُكومتين في الشارع غير دقيق، لأنّ ما حصل هو إستغلال بعضالقوى السياسيّة اللبنانيّة والخارجيّة، النقمة الشعبيّة، لإسقاط هاتين الحُكومتين، وليس العكس. والدليل أنّه حتى هذه اللحظة، فإنّ شيئًا لم يتغيّر حيث لا تزال أغلبيّة القوى السياسيّة والحزبيّة في لبنان تتصارع على السُلطة، وكأنّ شيئًا لم يكن! وإذا كان صحيحًا أنّ هذه القوى باتت تُعطي أهميّة كبرى لصورتها أمام الرأي العام، وتتجنّب إغضاب المُحتجّين بتصريحاتها وتصرّفاتها، فإنّ الأصحّ أنّ أولويّاتها لا تزال السيطرة والنُفوذ وليس الإصلاح ومُكافحة ​الفساد​ فعليًا، مع تعمّدها إستخدام شعارات برّاقة، بهدف دغدغة مشاعر المُحتجّين ومُحاولة إستمالتهم.
وبالتالي، لا مجال لحُصول أيّ تغيير جدّي على مُستوى السُلطة، إلا عن طريق الإنتخابات النيابيّة، طالما أنّ الثورة الفعليّة والمُسلّحة غير قابلة للتنفيذ في بلد كلبنان. وحتى عند حُلول موعد الإنتخابات، وبغضّ النظر عن القانون الإنتخابي الذي سيتمّ إعتماده، فإنّه ما لم يتوحّد المُحتجّون ضُمن لوائح إنتخابيّة مَدرُوسة بعناية، مع مُراعاة حساسيّة كل دائرة إنتخابيّة، من النواحي السياسيّة والطائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة، فإنّهم سيعجزون على الأرجح عن خرق قلاع أحزاب السُلطة. وحتى موعد الإنتخابات المُقبل–في حال تنظيم الإنتخابات في موعدها أصلاً، على الرأي العام الناقم على النظام ككلّ، العمل جديًا على توحيد الصُفوف وعلى تنظيمها بعيدًا عن التنافس الفارغ من أي مَضمون، وبعيدًا عن المُزايدات وعن التصرّفات التي نفّرت العديد من المُؤيّدين السابقين، الذين إمّا عادوا إلى تقوقعاتهم السياسيّة والحزبيّة والطائفيّة والمناطقيّة السابقة، وإمّا إنكفأوا عن كل ما له علاقة بالشأن العام، في إنتظار فرصة هجرة مَرجوّة!.