بعد أكثر من 7 أشهر على ظهور أول إصابة بڤيروس ​كورونا​ في ​لبنان​، ورغم الإعلان المتكرّر عن خطط وسياسات حكومية للمواجهة، والتي لم تتجاوز الإطار النظري، أو أنّها لم ترق الى المستوى المطلوب لمواجهة هذا الوباء، لذلك يستمر التخبّط وتقاذف التهم بالتقصير ورمي المسؤولية، من وزارة على أخرى، وأحياناً على المواطن، الذي للأسف يدفع الفاتورة من صحته ويخسر يوماً بعد يوم حقه في ​الأمن​ والأمان الصحي.


منذ شهري شباط وآذار الماضيين، حاولنا لفت نظر المعنيين إلى عدم وضوح الرؤية في شأن مواجهة الجائحة، أضف الى ذلك، عدم وجود خطة مركزية لإنقاذ ​القطاع الصحي​ وإيقاف التدهور الحاصل، بسبب تداخل عوامل عدة، من ​الوضع الاقتصادي​ والمعيشي، إلى إرتفاع سعر صرف ​الدولار​، والعدد الصادم والمتزايد للإصابات، فضلاً عن المرضى العاديين، ليكتمل المشهد المأسوي بعجز الموازنات الخاصة بكل مؤسسة، وهجرة النخب العاملة في هذا القطاع. وكان جواب المعنيين الدائم، هو غياب التمويل وإفتقارهم إلى الموارد المادية، مع أنّ ذلك يقع في صلب مهماتهم، ويوجب على المعنيين في ​الحكومة​ البحث عن طرق التمويل.


وفي هذا الإطار، وخلال ​مؤتمر​ عُقد عن بُعد لبرلمانيين من 85 دولة، طرحتُ المسألة المتعلقة بالتمويل أمام القيمين على ​البنك الدولي​ و​صندوق النقد الدولي​، اللذين أبديا إستعدادهما المطلق للتعاون مع شريك لبناني رسمي، بعيداً من الظروف السياسية المعقّدة، لتمويل برامج وأنشطة ومشاريع في القطاع الصحي، تقوم على الشفافية والوضوح وتعود بالنفع على المواطن اللبناني. (وهذه المجموعة من البرلمانيين كانت قد تعاونت في هذا الإطار مع عدد من الدول في ​أميركا اللاتينية​ و​أفريقيا​ وآسيا الوسطى).


بالعودة إلى الواقع، فإنّ القيّمين على إدارة ​الأزمة​ مركزياً، والمكلّفين من الحكومة، قد إعتمدوا خيار ​الإقفال الجزئي​ لمناطق محدّدة، قياساً الى نسبة المصابين في كل منطقة، وهذا خيار تمّ إعتماده في بعض الدول ونجح في الحد من نمو الوباء. ولكن، مجرد نجاحه في دولة ما، لا يكفي لإعتماده في لبنان والمراهنة على نجاحه، إن لم يأتِ ضمن خطة واضحة ومعايير شفافة وبعد تأمين الدعم الاداري واللوجستي والمادي لتنفيذه وتطبيقه.


وهنا لا بدّ من الإشارة الى بعض الملاحظات التي تُعتبر أساسية في تطبيق إجراء ​الاقفال​ الجزئي لبعض الدول مقارنة مع دول أخرى:


1- الواقع الجغرافي للمدن والبلدات التي إعتمدت هذا الخيار تختلف عن لبنان، حيث يمكن تحديدها بنحو منفصل، بينما نحن نعاني من تداخل كبير بين المناطق والبلدات.


2- ضرورة اعتماد خيار المناطق (zones) أو التجمعات الكبيرة. فمن المستحيل فصل بلدات متداخلة بعضها عن بعض كما يحصل الآن.


3- إفتقار الإدارات الرسمية لمعلومات دقيقة وواضحة حول أماكن سكن الأشخاص المصابين وإعتمادهم على تصريح المصاب، وبالتالي عدم وضوح اللوائح المعتمدة ودقتها، وبالتالي وقوع المعنيين في الخطأ عند اتخاذ قرار بإقفال اي منطقة.


4- إقفال المناطق يستوجب منعاً للتجول حتى يأتي ب​الفائدة​، وهذا ما لم يُنفذ في أي من البلدات المقفلة، في موازاة وجود مقيمين مضطرين للذهاب إلى مركز عملهم الموجود في بلدة تقع خارج دائرة الاقفال.


5- الدول الغربية التي إعتمدت الإقفال، تعتمد الاستقلالية لكل منطقة، لجهة تقديم الخدمات الاقتصادية والصحية والغذائية. وهذا ما نفتقر إليه على صعيد الوطن ككل وليس فقط المناطق المقفلة.


6- الإقفال يستوجب دعم الوزارات المعنية، ولا سيما منها ​وزارة الداخلية​، من خلال فرز ومؤازرة قوى أمنية، و​وزارة الصحة​ لجهة تكثيف الفحوصات المخبرية PCR والتسريع في اصدار النتائج، وايضاً ​وزارة الشؤون الإجتماعية​ لدعم العائلات التي تعاني من جراء الإقفال، وأيضاً والأهم، دعم المجالس ​البلدية​ وتحرير أموالها لتقوم بواجباتها كسلطات محلية وتساند النقص الرسمي وتغطيه.


انّ التقيّد بهذه النقاط في امكانه ان يفيد في جعل خطة الاقفال اكثر فعالية، ويساهم في الحدّ من انتشار الڤيروس الذي يسجّل عدّاده، بحسب النتائج الرسمية ارتفاعاً في اعداد الوفيات والمصابين. وبالتالي، فإنّ هذه الحصيلة تُفقِد هذا الإجراء محتواه والهدف منه. ولكن على رغم مما يُسجّل حوله من ملاحظات، يبقى أقل كلفة على المواطن والبلد من الإقفال التام.


بعد مرور اسبوعين على الاقفال، المطلوب تقييم هذه الخطوة وفق اعتماد معايير علمية وشفافة، والإستفادة من التجارب والخبرات في هذا المجال، لأنّ من الواضح أننا لن نعود إلى الاقفال التام، وإقتصادنا لم يعد يحتمل ذلك. وإذا إستمرينا في هذا التخبّط، فإننا امام مرحلة تفشٍ خطيرة، توقِع البلاد والعباد في المحظور، خصوصاً وأنّ المؤسسات الإستشفائية رفعت الصوت مراراً، معلنةً عجزها عن المواجهة وعن تضاؤل قدرتها الإستيعابية.