قال الرب ​يسوع المسيح​ لِتلاميذِه: "لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ، لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي"(يوحنا ١٦:١٥).

اختيارُهُ هذا لم يَقتَصِر على التَّلاميذِ فحسب بل اختارَنا جَميعًا، ودَعانا جميعًا، لماذا؟ لأنّه خَلَقنا على صُورتِهِ كَشِبهِه، ودعانا إلى القداسةِ لِنُحقِّقَ شِبهَهُ.
ولكنَّ ​الإنسان​َ سقطَ إذ أرادَ أن يكونَ مِثلَ اللهِ على طريقَتِهِ الخاصَّةِ، وليس بحسبِ وصايا اللهِ الخَلاصِيَّة. فانصاعَ لِكلامِ الشّيطانِ، وخِسرَ النِّعَمَ الإلهيَّةَ، وأُظلمَت صُورةُ اللهِ فِيه، ولكنَّها لم تختَفِ. تاهَ الإنسانُ في الأرضِ، وقتلَ أخاهُ حَسَدًا، ولم يَتُب، أرادَ تعظيمَ ذاتِهِ فبنى لِنَفسِهِ بُرجًا، عِندها بَلبَلَهُ اللهُ وباتَ الإنسانُ مُشَتَّتًا.


أتقنَ عدَّةَ لُغاتٍ ولَكِنَّهُ بِالمُقابلِ فَقَدَ لُغةَ المَحبَّةِ الوحيدةَ الّتي تَجمعُ ولا تُفَرِّق.
خَاطَ لِنفسهِ ثِيابًا، ولَكِنَّهُ خَلَعَ عن نفسِهِ المَسيحَ، فباتَ عُريانًا مُلتَحِفًا بالخَطيئة.
مَجّدَ نفسَه بِالأُرجُوانِ والذَّهبِ واللآلئَ، لَكنَّهُ نَسيَ أنّها تُرابٌ مِن تُرابٍ، وفَانيةٌ لا دَيمومَةَ لها.
ظَنَّ أنَّ قيمَتَهُ تَعظُمُ بممتلكاتِهِ ومَكاسِبِهِ ومَركزِهِ، وفاتَهُ أنْ لا كَرامَةَ لهُ مِن دُونِ الله.
إعتبرَ نفسَهُ مُتَطَوِّرًا فباتَتِ الإنسانيّةُ عِندَهُ تَخَلُّفًا، وفاقَتهُ الحيواناتُ رحمةً ووفَاء.
إفتخرَ بِوسائِلِ التَّواصُلِ الّتي اخترَعها، وجَعلَها عابِرةً للقَارَّاتِ لاغيةً للمَسافات، ولكنَّ المَسافةَ الأقربَ إلى أَخيهِ الإنسان صارَتِ الأبعد.
إكتشفَ الكَواكِبَ والمَجرَّاتِ، ولم يَكتَشِفْ عُمقَهُ الدَّاخِليَّ لِيَصِلَ إلى مَلكُوتِ اللهِ في دَاخِلِه.
شَنَّ الحُروبَ طَمعًا، ولَكِنَّهُ نَسِيَ المَزمُورَ القَائل: "لأَنَّ رِيحًا تَعْبُرُ عَلَيْهِ فَلاَ يَكُونُ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مَوْضِعُهُ بَعْدُ"(مزمور ١٦:١٠٣).
بَحثَ الإنسانُ عَن ألقابٍ عَديدةٍ لِيتعالى، ولكن أَغفلَ أنّ الله كلّلهُ بِالمجدِ والكَرامةِ، وأنّهُ ابنُ اللهِ بِالتَّبنّي، وهيكلُ الرُّوحِ القُدُس.
إستَبدلَ الإلهيَّاتِ بِالتُّرابِيَّاتِ، والذَّهبَ بِالقَشِّ، فَناداهُ اللهُ قائلًا: "يَا غَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ" فكُلُّ هذه الأمورِ الّتي تفتَخِرُ بِها وأَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ"؟.

​​​​​​​
هذا ما يكلِّمُنا عليهِ إنجيلُ هَذا الأحد. «إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ، فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلًا: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَلّاَتِي وَخَيْرَاتِي، وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي"!(لوقا ١٦:١٢-٢١).
عِلّةُ هذا الإنسانِ "غَيرِ الذَّكيّ" أنّهُ اعتبرَ نفسَهُ غَنيًّا مِن دونِ اللهِ، لا بل جعلَ مِن نفسِهِ إلهًا، كأنّه سيّدُ سِنِيهِ وطُولِها. المَثَلُ الّذي ضَرَبهُ الرَّبُّ هُو قِصةُ البَشريَّةِ جَمعاءَ، بِغضِّ النَّظرِ عن مَركَزِ كُلِّ واحدٍ مِنّا وغِناهُ المادي، على حدِّ قَولِ المَثلِ الشَّعبيّ: "إن كانَ الفَقرُ يُريدُ الكَثيرَ، فالجَشَعُ يُريدُ كُلَّ شيءٍ، والطَّبيعةُ بِأكمَلِها لا تَكفيه".
هُنا يُطرَحُ السُّؤالُ: ما الّذي يُشبِعُ نفسَ الإنسان؟ الجَوابُ ما أعلَنَهُ الرَّب: "َأنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا"(يوحنا ٣٥:٦).
يُشبِّهُ الآباءُ القِدِّيسونَ الطَّمعَ بِماءِ البَحر، كلَّما شَرِبنا منه نَزدادُ عَطشًا ولا نرتوي، وفي النّهاية يَقتُلُنا بعد أن يُسقِمَنا ويُدَمِّرَنا.
أَمامَ هذا المَشهدِ لم يَستطِعِ الرَّبُّ أن يَبقَى مُتَفَرِّجًا لأنّهُ "أبانا الّذي في السَّماوات"، وأبونَا الّذي صارَ إنسانًا مِن أَجلِنا –مِن دُونِ أن يَفقِدَ شيئًا مِن أُلوهِيَّتِه- لِيُعيدَ مَكانَتَنا الأُولى. فكان اتّحادُ الطَّبيعةِ الإلهيَّةِ بِالطَّبيعَةِ البَشريَّةِ في أحشاءِ وَالِدَةِ الإلهِ في عِيدِ البِشارة، الّذي هُوَ عِيدُ التَّجسُّدِ الإلهيّ، وتَبِعَهُ ظُهورُ اللهِ في الجَسدِ في عِيدِ المِيلادِ المَجيد.
هذا هُوَ إلهُنا، وهذه هِيَ فَرادَةُ الإيمانِ المَسيحيّ. فإن كُنّا قد بَدأنا رِحلتَنا المِيلادِيَّةَ الصِّيامِيَّةَ الأَربَعِينيَّةَ في الخَامسَ عشرَ مِن شَهر تِشرينَ الثّاني، هُوَ لكي نَبلُغَ اليومَ الخَامسَ والعِشرينَ مِن كانونَ الأوَّلِ أنقِياءَ وتَائِبينَ ومُدرِكينَ أنَّ غِنانا الوَحيدَ هُوَ مَن وُلِدَ وصُلِبَ وقامَ لأجلِنا، عِندَها نُرتِّلُ فَرِحين: "المسيحُ وُلِدَ فمجِّدُوه، المسيحُ أتى مِن السَّماواتِ فاستَقبِلُوه، المسيحُ على الأرضِ فارتَفِعُوا، رَتِّلي للرَّبِّ أيَّتُها الأرضُ كُلُّها، ويا شُعوبُ سَبِّحُوهُ بِابتِهاجٍ لأنَّهُ قد تَمَجَّد".