الإطار: في جلسته المنعقدة في 27/11/2020، وتبعاً لمناقشته الرسالة التي وجّهها إليه ​رئيس الجمهورية​ في موضوع التدقيق الجنائي، اتخذ ​مجلس النواب​ «القرار» الآتي:

«تخضع حسابات ​مصرف لبنان​ والوزارات و​المصالح المستقلة​ والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة، بالتوازي، للتدقيق الجنائي دون أي عائق أو تذرع بسرية مصرفية أو خلافها».

مقدمة: الإيجابية في «القرار» تكمن في أنه يكرّس مبدأ التدقيق الجنائي الشامل، وهو يضع حدّاً مبدئياً للجدل الدائر حول الموضوع، بعد أخذ وردّ سياسي وقانوني وإعلامي. وإذا كان رئيس الجمهورية قد مارس حقاً دستورياً في مخاطبة ​المجلس النيابي​ (المادة 53 من الدستور)، فإن ​الكتل النيابية​ باتت ملزمة أخلاقياً وتجاه الرأي العام بما ارتضته في القرار، حيث سيصعب عليها أن تصوّت على القوانين المرتقبة ذات الصلة بغير ما توافقت عليه في هذا القرار.
إلاّ أن هذه الإيجابية غير كافية لحسم ما يعترض التدقيق من معوقات، للأسباب الآتية:

لجهة الطبيعة القانونية للقرار: يثير «القرار» مسألة التوصيف القانوني: فلا هو قانون (تشريع) ولا هو جزء من القرارات التي يعود للمجلس النيابي أن يتخذها بالاستناد إلى الدستور أو النظام الداخلي للمجلس (على سبيل المثال: تشكيل لجنة ​تحقيق​ نيابية، رفع الحصانة عن أحد النواب...). وعلى أهمية إقرار «القرار» في المبدأ، إلا أن الشيطان يكمن في ال​تفاصيل​، وسيواجه المعنيون بتطبيقه مسائل التنازع المحتمل بين ما نصّ عليه في سطريه وبين تفاصيل دقيقة نصّت عليها قوانين نافذة ذات صلة (النقد والتسليف، ​السرية المصرفية​...).
لجهة موقع القرار في تراتبية النصوص: إن الطابع «الهجين» للقرار يطرح حكماً إشكالية موقعه في سلّم النصوص القانونية. فما دام القرار ليس تشريعاً (وخصوصاً أن للتشريع آليات دستورية واضحة غير متوافرة إزاء القرار)، فهو غير قابل للطعن أمام ​المجلس الدستوري​، وبذلك يصبح القرار بمنأى عن أي طعن أو مراجعة، ما يجعله أسمى من القوانين (!)، بما فيها القوانين الدستورية! وهذا غير معقول وغير مقبول وغير مألوف في العلم الدستوري.

لجهة ضرورة استتباع القرار بقانون يستكمله: ربما كان من الأجدى لو اتخذ «القرار»، ولو بنصّه العام، صيغة القانون الذي كان من الممكن إقراره معجّلاً مكرّراً بمادة وحيدة، طالما انعقدت جلسة تشريعية أقرّ فيها قانون آخر. ومع ذلك، لكانت الحاجة لا تزال قائمة لاستصدار قانون أكثر تفصيلاً، لسببين على الأقل:
السبب الأول: أن «القرار»، بحسب ما نصّ عليه، يقتصر على حسابات ​مصرف لبنان​ والوزارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق (مع الإشارة إلى أن ثمة رأياً يقول أصلاً بعدم ضرورة إقرار قانون لرفع السرية عن حسابات ​الدولة​ ــــ وأنا أميل إلى هذا الرأي)، ولا يشمل بالتالي ​القطاع الخاص​، حيث الإشكالية ستبقى قائمة رغم صدور «القرار»، ما يستوجب قانوناً في المجلس النيابي بالنسبة إلى هذا القطاع حصراً.
السبب الثاني: أن من شأن القانون الواضح الأحكام أن يحسم أيّ التباس على المستوى التطبيقي والإجرائي، في ظل اقتصار القرار على المبدأ فقط، وبالتالي الحؤول دون اصطدام إجراءات التدقيق الجنائي بمعوقات التفسير المتناقض أو عدم كفاية النص، علماً بأن رفع السرية المصرفية عن حسابات الدولة لا يستوجب قانوناً.
في المحصّلة:
ستكون العبرة في الأيام القادمة لمدى الجدية والسرعة في إقرار القوانين اللازمة.
يقتضي التذكير بأن رفع السرية المصرفية عن حسابات الدولة لا يحتاج إلى قانون، حيث يُكتفى بأن يطلب ​مجلس الوزراء​ (كونه ​السلطة​ الإجرائية العليا) رفع تلك السرية (أو يكلّف ​وزير المالية​ بذلك) وقد جاء «قرار» المجلس النيابي ليؤكّد المؤكّد لهذه الجهة، بصريح العبارة. حتى إن مجرّد ما قام به مجلس الوزراء (قبل أن تصبح ​الحكومة​ مستقيلة) عندما طلب من ​المصرف المركزي​ إيداعه مستندات عائدة لحسابات الدولة هو كافٍ بذاته، باعتبار أن الدولة (ممثلة بمجلس الوزراء) هي صاحبة الحسابات ويعود لها، بهذه الصفة، أن تطّلع عليها كلّها.

* محام ووزير سابق