كان يُفترض أن تُعقد اليوم الجلسة الخامسة من مُفاوضات ​ترسيم الحدود​ غير المُباشرة بين ​لبنان​ و​إسرائيل​، برعاية الأمم المُتحدة، لكنّ الجلسة أرجِئَت حتى إشعار آخر. فما الذي حصل، وهل سيتمّ وضع هذا الملفّ الحسّاس على الرفّ مُجدّدًا؟.

بداية لا بُد من التذكير إلى أنّ أولى مُحاولات تحريك هذا الملفّ تعود لأكثر من عقد من الزمن، لكنّ "​الضوء​ الأخضر" الإقليمي-الدَولي لبدء المُفاوضات حصل هذا العام، وعُقِدت الجلسة الأولى في 14 تشرين الأوّل الماضي، وكان يُفترض أن تتواصل الجلسات بمعدّل جلسة كلّ أسبوعين، علمًا أنّه كان جرى تحديد مُهلة سِتّة أشهر للتوصّل إلى نتيجة. إشارة أيضًا إلى أنّ الجلسة الرابعة من المُفاوضات، والتي كانت قد عُقدت في 11 تشرين الثاني الماضي، شهدت خلافًا جوهريًا بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، بعد أن عرض لبنان مجموعة واسعة من الوثائق والمُستندات والخرائط، لإثبات أحقّيته بمساحة جغرافيّة بحريّة تبلغ 2290 كيلومترًا مربّعًا، وهو دعّم موقفه التفاوضي بمجموعة من بنود القوانين البحريّة المُعتمدة عالميًا والمُعترف بها دَوليًا. وقد أثار هذا التحوّل غضب الوفد الإسرائيلي الذي حاول منذ البداية-وما زال، حصر الخلاف الحُدودي البحري مع لبنان، ببقعة جغرافيّة لا تتجاوز 860 كيلومترًا مربّعًا. وهذا الفارق الكبير في التقدير يعود إلى إختلاف في شكل الخط البحري المرسوم من قبل الجانبين اللبناني والإسرائيلي، وتحديدًا إلى زاوية إنحداره، وكذلك إلى نقطة الإنطلاق البريّة.
وبعد تأجيل الجلسة الخامسة، بالتزامن مع توجّه المبعوث الأميركي جون دو روشيه الذي كان يحضر جلسات مُفاوضات ​الترسيم​، إلى لبنان، لإجراء محادثات مع عدد من المسؤولين، تبيّن للجميع أنّ التأجيل الذي حصل خلال الأسابيع الماضية لم يكن تقنيًا، وأنّ الإنتقادات الإسرائيليّة التي زعمت بأنّ لبنان غيّر مَوقِفه من الترسيم مرّات عدّة، هدف إلى توتير الأجواء والتهرّب من التفاوض. وبالتالي، بدلاً من أن يقوم الوفد الإسرائيلي بتفنيد وثائق لبنان، وبالردّ عليها بالمُستندات والخرائط، ذهبت الأمور إلى نوع من التجميد القسري، بحيث إضطرّ الجانب الأميركي الذي يُفترض أن يلعب دور الوسيط، إلى التدخّل بهدف تحديد الخُطوات المُقبلة، بناء على نتائج المُحادثات التي سيجريها خلال ​الساعات​ القليلة المُقبلة مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي، بشكل منفصل بطبيعة الحال.
وبحسب المَعلومات، لا جلسات ترسيم للحدود في المُستقبل القريب، لأنّها ستكون عديمة ​الفائدة​، وستزيد الهُوّة الواسعة أصلاً، ما لم يسبقها الحد الأدنى من التفاهم على الخُطوط ​العريضة​ للمُفاوضات. وبالتالي، في حال فشل الوسيط الأميركي المُفترض، في إعادة تحديد مسار هذه المُفاوضات وخُطوطها العريضة، من المُتوقّع أن نشهد فترة جمود طويلة، تفوق موعد نهاية العام الحالي، وتستمرّ حتى حُصول أيّ تطوّر مُهم يُمَهّد الطريق للعودة إلى التفاوض. إشارة إلى أنّ الجانب اللبناني مُتمسّك بمطالبه، ويعتبر أنّها مُحقّة كونها مَدعومة بالوثائق وبالخرائط، في حين أنّ الجانب الاسرائيلي يعتمد ​سياسة​ تهجّم إعلامي على لبنان، ويضع شروطًا تهدف إلى العرقلة، منها على سبيل المثال لا الحصر، المُطالبة بمفاوضات مباشرة مع الجانب اللبناني بحجّة تسريع الخطوات، وكذلك حصر التفاوض بمساحة جغرافيّة ضيّقة، وتحديدًا بخط ترسيم تُسمّيه إسرائيل "خط هوف" مُسبقًا. إلى ذلك، يُوجد رأي يعتبر أنّ الجانب الأميركي، يَستخدم بدوره مَلفّ ترسيم الحُدود للضغط على لبنان، حيث انّه يُدرجه في سياق مجموعة مُتكاملة من الضُغوط، تبدأ بالرغبة المُزمنة بتعديل القرار الدولي رقم 1701 بما يسمح لقوات الطوارئ العاملة في ​الجنوب​ بتوسيع صلاحياتها وعمليّات التفتيش التي تقوم بها، وتصل إلى حدّ عزل "​حزب الله​" بشكل كامل تام، مع ما بينهما من شروط ومطالب.
وإنطلاقًا من كلّ ما سبق، وعلى الرغم من رغبة كلّ من لبنان وإسرائيل-كلّ من موقعه ولأسبابه الخاصة، بالتوصّل إلى تسوية سريعة في ملف ترسيم الحدود، للإنطلاق في أعمال ​التنقيب​ عن المُشتقّات النفطيّة في المناطق الحُدوديّة من ​المياه​ الإقليميّة، يبدو أنّ الأمور تُواجه صُعوبات كبيرة، مَعطوفة على وضع عام غير مُستقرّ، في إنتظار إنتهاء عمليّة إنتقال ​السلطة​ في ​البيت الأبيض​.