يبدو أن مصير البلد، وحياة ال​لبنان​يين ومستقبلهم لا يساويان حقيبة وزارية واحدة لدى المسؤولين اللبنانيين. فعلى الرغم من شبح الجوع الزاحف باتجاه الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، وعلى الرغم من ​الاقفال​ المتواصل وبوتيرة عالية للمؤسسات و​المصانع​ وارتفاع منسوب ​البطالة​ بشكل هائل، و​الهجرة​ المخفية للشابات و​الشباب​، فإن الكباش السياسي على تأليف ​الحكومة​ يشتد ويأخذ منحى مخيفاً في اتجاه إمكانية انفلات الأمور من عقالها، وسط مشهد إقليمي ودولي لا يبشر بالخير على كافة الصعد، حيث يظهر لبنان وكأنه ترك لمصيره بعد ان أصبحت المبادرة الفرنسية في خبر كان، وإن كان البعض من الساسة اللبنانيين يوحي بأن المبادرة، ما تزال تدب فيها الروح، وأنه ما زال بالإمكان الوصول إلى توليفة حكومية بتفاهم داخلي ورعاية باريسية.


من نافل القول انه لو كانت عقد التأليف محض داخلية لما كان ​تشكيل الحكومة​ يحتاج إلى ثلاثة عشر لقاء بين ​رئيس الجمهورية​ والرئيس المكلف، فهناك معادلات سياسية وطائفية يُدرك الجميع انه ليس باستطاعة أحد ان يخرج عنها، وبالتالي فإن أي استحقاق سياسي لا يمكن إنجازه ما لم يؤخذ ب​القاعدة​ المتبعة منذ ​الاستقلال​، والقائمة على التفهم والتفاهم، ومراعاة العامل الطائفي والمذهبي.. وبما أن عملية التأليف أخذت هذه المدة من الوقت فهذا يعني أن هناك عوامل خارجية تضغط باتجاه عرقلة هذه العملية أو على الأقل فرملتها بانتظار حدوث تطورات ما، أو تمرير بعض الاستحقاقات على المستوى الإقليمي والدولي.


وليس سراً القول بأن ​الإدارة الأميركية​ المنزعجة جداً من لبنان لعدم تجاوبه مع مطالبها إن لجهة ​ترسيم الحدود​ البحرية وفق رؤيتها وبالشكل الذي يخدم ​إسرائيل​، أو لجهة إبعاد «حزب الله» عن أية توليفة حكومية، ما تزال تعمل على ممارسة ضغوطها التي تحول دون ان تبصر الحكومة العتيدة النور قبل ان يسلِّم الرئيس ​ترامب​ مفاتيح ​البيت الأبيض​ لخلفه الرئيس ​جو بايدن​، من دون ان يعني ذلك ان ولادة الحكومة من الممكن ان تحصل فور استلام إدارة بايدن زمام الأمور في ​الولايات المتحدة​، ومردّ ذلك إلى العوامل الداخلية المتشابكة والتي يأتي في مقدمها فقدان الثقة أو الكيمياء المطلوب بين رئيس الجمهورية العماد ​ميشال عون​ والرئيس ​سعد الحريري​. ولعل اللقاءات التي أجراها البطريرك الماروني الكاردينال ​بشارة بطرس الراعي​ إن في ​بكركي​ أو في ​القصر الجمهوري​ والتي تمت بناءً على طلبه تأتي في سياق ترميم الثقة بين الرئيسين وابتداع أفكار معينة علّها تساعد في تخفيف حدة الاحتقان الموجود، وتقرب المسافات بين بعبدا و«بيت الوسط»، وقد انطلق البطريرك في حراكه هذا بعد ان استشعر خطر إقبال المنطقة على تطورات كبيرة فيما البيت اللبناني الداخلي ما زال مبعثراً وهذا قد يجعله يدفع أثمان الخارطة ​الجديدة​ التي ترسم لمنطقة ​الشرق الأوسط​، وقد أكثر البطريرك الماروني في لقاءاته من ترداد مفردة ضرورة تبادل التنازلات، لعلمه اليقين بأن تمترس كل طرف وراء مواقفه لن يدفع الأمور باتجاه التفاهم على تشكيل الحكومة بل انه يزيد الأمور تعقيداً.


هل تخرج اللقاءات المتتالية في ​قصر بعبدا​ بهدية الميلاد إلى اللبنانيين؟

وإذا كان «سيد بكركي» قد نجح في إعادة ضخ الحرارة على خط اللقاءات بين الرئيسين عون والحريري فهذا لا يعني في مطلق الأحوال ان هناك جديداً قد يحمل الطرفين على الاتفاق والاسراع في ​تأليف الحكومة​، ف​الساعات​ الماضية التي أعقبت تحرك البطريرك الراعي لم تحمل أية معطيات تفيد بإمكانية اقتراب التفاهم على التأليف، وأن اللقاءات التي تجري ما تزال تدور في فلك المحاولات لا أكثر ولا أقل، حيث لا توجد قاعدة جديدة يمكن الانطلاق منها تكون في مضمونها ومحتواها مختلفة عن القاعدة التي يتم العمل عليها منذ ان كلف الرئيس الحريري شأن تأليف الحكومة.


وفي اعتقاد أوساط سياسية متابعة بأن عُقد التأليف ما تزال تراوح مكانها مع إبداء بعض المرونة، ففريق رئيس الجمهورية ما زال يتمسك بتسمية الوزراء المسيحيين السبعة، وفي مقابل ذلك فإن الرئيس الحريري الممتعض أشد الامتعاض من سلوكيات النائب ​جبران باسيل​ ليس في وارد التسليم الكامل بشروط ​الرئيس عون​ التي يعتبرها شروط «العهد»، فالرئيس المكلف تحدث مع نهاية الأسبوع الفائت امام بعض زوّار «بيت الوسط» بأنه يستغرب كيف انه يتفق مع رئيس الجمهورية على بعض النقاط، وما إن يخرج من قصر بعبدا، ويأتي النائب باسيل ويجتمع برئيس الجمهورية يُنسف كل ما تمّ الاتفاق عليه، وهو يزيد في ذلك قائلاً:«إن المشكلة الأساسية في تعقيد عملية التأليف تكمن في تصرف باسيل على انه الآمر الناهي في هذا الملف وغيره من الملفات وهذا ما يعقد الأمور أكثر، مشدداً على انه سيعمل ما بوسعه لتأليف حكومة تنقذ البلد.


وفي رأي المصادر ان الرئيس الحريري خائف من كيفية تعاطي الخارج مع حكومته في حال بقي الفيتو الأميركي مفروضاً على مسألة مشاركة «حزب الله»، كونه يعلم استحالة تأليف أية حكومة يُستبعد عنها شريحة كبيرة من اللبنانيين لها ثقلها النيابي وفي الشارع.


من هنا فإن المصادر التي تعطي أهمية بالغة لما قاله الرئيس الحريري لدى خروجه من قصر بعبدا أمس لجهة التفاهم على عقد لقاءات متتالية هذا الأسبوع، فإنها ترى أن العقد الموجودة في طريق التأليف ضاهرها داخلي وهذا قابل للتفكيك، ولكن جوهرها خارجي ناتج عن الصراع الأميركي - الإيراني وهو ما يبعث على الخوف من ان يكون التأليف غير ممكن مع ما تبقى من أيام في هذا العام.