«إنّ أعظم الشرور في التاريخ لم يرتكبها وحوش، بل بشر عاديون يخضعون لأوامر من مرجعيتهم، وبالتالي فهم كانوا ينفّذون الأوامر من دون ندم على أساس أنّه الخيار العادي».(هانّا أرندت)

في أيام المراهقة السياسية كنا نسمّي من يغتال شخصاً خدمة لعقيدته الثورية مناضلاً، ولم نكن نأبه لعدد الضحايا الأبرياء الذين يسقطون مع الشخص المقصود عن طريق المصادفة، أو إن كانت التهمة الموجّهة إليه صحيحة، المهم كان، أنّ قائداً عقائدياً ما أصدر حكم الإعدام، وأنّ عميلاً أو خائناً أو رأسمالياً أو رجعياً ما، قد نال قصاصه العادل.


لا يهمّ أيضاً إن كان هذا العميل ربّ عائلة حنوناً أو مهنياً ناجحاً أو عالماً متفوقاً أو محسناً كريماً أو مفكّراً عظيماً، فالقرار الصادر عن قائد حزبي أو فيلسوف عقائدي أهم من تلك «التفاصيل المملة» كلها. أما التنفيذ فعلى همّة مجموعة من «المناضلين»، اجتمعت في قبو معتم ورطب، ورسمت مخطط الجريمة. هذا هو واقع عبادة الفكرة التي تتحوّل كياناً مقدّساً تهون أمامه وفي سبيله التضحيات بالذات وبالآخرين.


من هنا نرى بعض «عبيد الأفكار» يتسابقون على تقديم أبنائهم متفاخرين على مذبح تلك الأفكار، ويشجعون العموم على الاقتداء بالمِثل. هذه الأفكار تصبح مقدّسة حتى وإن لم تكن من مصدر ديني، فأمثلة العقائد السياسية من يمين ويسار، نازية أم فاشية أم شيوعية، ليبرالية أم متزمتة، كلها تخلق الفكرة ومن ثم تجعل منها أيقونة مقدّسة لا تفرّق في تأثيرها عن الأفكار النابعة من الموروث الديني. ببساطة، كلها اجتهادات لبشر ولا دخل بالماورائيات بها.


على الرغم من أنّها نفدت بأعجوبة من معسكرات الاعتقال النازية في بدايات الحرب العالمية الثانية، كان للفيلسوفة حنة أرندت موقف صدم الأوساط الصهيونية خلال محاكمة «أدلف إيخمن» عام 1962 في فلسطين المحتلة، يوم وقع في شراك ملاحقي النازيين، وأتوا به في قفص حيوانات ليستعرضوه في شوارع القدس الغربية. إيخمن كان أحد مهندسي المحرقة الكبار المسمّاة «هولوكوست»، وكان رجل عائلة محباً وحنوناً على أولاده. ما قالته أرندت هو أنّ الدعاية النازية تمكّنت من خلق ثقوب في الذاكرة الجماعية للشعب الألماني، أو خلق روايات بديلة، تجعل من الشر شيئاً تافهاً وعادياً، يلغي القدرة على الشعور بالذنب. هل هذا يعني أنّ إيخمن كان بريئاً من التهم الموجّهة إليه، بالطبع لا، لكن لا شيء يلغي كونه إنساناً واقعاً تحت تأثير فكرة ما أسّست لمنظومة الشر النازية التي أصبح هو جزءاً منها.


لقد أثار هذا الكلام الأوساط الصهيونية التي كانت تحاول تصوير إيخمن ومن مثله بأنّهم وحوش فاقدي أي حسّ إنساني بالتعاطف، في حين أنّ أرندت سمّت القضية «الشرّ التافه» لأنّ لا شيء يميّز الإنسان المنغمس في عمل شرير، من ضمن منظومة هو مجرّد جزء منها، عن اي بشري آخر على المستوى الشخصي.


منذ أيام، خرج السيد حسن نصرالله في مقابلة طويلة جداً، تناسى فيها بشكل شبه كامل ما يعانيه اللبنانيون من تدهور في أوضاعهم النفسية والمعيشية والأمنية، التي وصلت إلى نقطة اللاعودة، في شكل أصبح البلد على شفير التفكك تحت وطأة ربط لبنان بالمشاريع العابرة للحدود. فلا همّ لو جاع الناس أو مرضوا أو قُتلوا، فالمشروع المقاوم يتخطّى بأشواط أهمية حياة البشر. لكن المثير للاهتمام، وإن لم يكن للاستغراب، هو استغراق الأمين العام لـ»حزب الله» في تعداد وشرح المنحى الإنساني لشخصيتي قاسم سليماني والمهندس، لدرجة أنّ المرء قد يخالهما عضوين في جمعية خيرية همّها فقط تعميم الفرح والرعاية للبشرية. لكن الوقائع التي وثّقها ضحايا الرجلين تؤكّد حقيقة ما قالته أرندت عن «الشر التافه»، فلا شيء يميّز من يقوم بأسوأ أشكال الشرور عن غيره من البشر، سوى الوظيفة التي اوكلتها إليه منظومة الشر.


لم يكن هناك داعٍ لكي ينبري السيد نصرالله الى شرح صفاتهما الإنسانية التي يتشاركان فيها مع معظم البشر الذين يتأثرون لآلام بعض الناس إلى درجة البكاء، ولكنهم قادرون، بحكم وظيفتهم على تدمير عشرات آلاف الأنفس من دون أن يرف لهم جفن، لا بل على العكس، فقد يفاخرون بما فعلوه. قد يكون نصرالله مقتنعاً بصفات رفيقيه الممانعين، لكنه لم يُقنع المراقب الحيادي باعتبار أنّهما ليسا أدوات ميكانيكية ينفذان وظيفتهما في منظومة لا تعرف غير القتل والدمار وسيلة لإقناع الناس بوجودها.


أما من ناحية أخرى، فلم أفهم لِمَ أثارت تصريحات قيادة «الحرس الثوري» حول كون لبنان متراساً لمشروع ولاية الفقيه، فهذا ليس التصريح الأول في هذا الخصوص، لا بل أنّ الأمر كان واضحاً في سلسلة تصريحات، بعضها زلاّت لسان، وبعضها إعلان نيّات يحمل تهديداً واضحاً للمعترضين على أمر واقع أراد «حزب الله» فرضه بالترهيب والترغيب وبالإفقار والتيئيس، فليس غير اليائس يقبل أن يرزح تحت حكم مثل نظام ولاية الفقيه.


بالطبع هذا لا يعني أنّ هذا النظام هو الأسوأ في منطقتنا، لكنه النظام الوحيد الذي يريد فرض نمطه وتخلّفه على اللبنانيين. يريد السيد نصرالله أن يفرض علينا أن نعترف بجميل ولاية الفقيه علينا، نحن ضحايا هذا المشروع الذي دمّر لبنان مرات عدة مثلما فعلت إسرائيل تماماً، وموقف نصف اللبنانيين على الأقل هو أنّ لا فارق بين إسرائيل الصهيونية وإيران الولي الفقيه، ولا خلاص للبنان إلّا بنهاية هذا المشروع في لبنان وربما حتى في إيران. إنّ الأذية التي لحقت بالعرب من هذا المشروع لا يعادلها شيء إلّا هجمات المغول في القرن الثالث عشر. وقادة «الحرس الثوري» الطيبون والإنسانيون أشبّههم بجنكيزخان وهولاكو وتيمورلنك. هم مجرد عبيد صغار لفكرة شهوة السلطة وإن ظنوا أنهم أحرار.